مشاهدة النسخة كاملة : الإمام أحمد بن حنبل


Sherif kenzo
02-26-2008, 08:19 PM
اسمه ونسبه ومولده

الإمام أحمد بن حنبل هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ، بن هلال بن أسد بن إدريس ، بن عبد الله بن حيان بن عبد الله ، بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ، بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة ، بن عكابة ، بن صعب بن علي بن بكر ، بن وائل بن قاسط بن وهب ، بن أفصى بن دعمى بن جديلة ، بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان ..

يلتقي نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزار بن معد بن عدنان ..

ولد ابن حنبل في شهر ربيع الأول سنة 164 ببغداد بعد أن خرجت به أمه وهو جنين من مدينة (( مرو )) التي كان يقيم بها أبوه إلى بغداد ..

وأمه هي صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك بن شيبان . تزوجت محمد بن حنبل ولم تدم حياته معها كثيراً حتى مات ، فوهبت نفسها وحياتها كلها لطفلها اليتيم أحمد ، واختارت من أجله الترمُّل في سن الشباب بخلاف الكثيرات من نساء العرب اللواتي يفضلن الزواج إذا مات الزوج صوناً للعفة وحفاظاً على السمعة ، فلم تفعل السيدة صفية والدة الإمام أحمد مثل النساء في عصرها ، ولكن وهبت حياتها للإمام أحمد فرعته أمه رعاية كاملة حتى أهدت للأمة الإسلامية إماماً يحتذى به ..

وقد كان الإمام أحمد رضي الله عنه عابداً مستقيماً في سلوكه منذ أن كان صغيراً ، فقد قال الهيثم بن جميل الفقيه الحافظ عن أحمد بن حنبل وهو صغير (( إن عاش هذا الفتى فسيكون حجة أهل زمانه )) وقد صدقت فراسته . وقال إبراهيم بن شماس العابد الزاهد (( كنت ارى أحمد بن حنبل يحيي الليل وهو غلام )) وقد كان ابن حنبل فقيراً ، فوالده مات ولم يترك له شيئاً سوى منزل صغير يسكنه ، ورغم ذلك كان الإمام أحمد حريصاً على أن يأكل ويشرب من حلال فكان لا يقبل مالاً فيه شبهة ، ولا يقبل الهدايا والعطايا ..

حلقته العلمية

بعد أن حصل الإمام أحمد بن حنبل على قسط كبير ودرجة عالية من التعليم ، ونال ما لم ينله أحد وتلقى عن الشيوخ الكبار ما تلقى ، وأصبحت لديه المؤهلات التي بها يستطيع أن يجلس للتدريس ، جلس في المسجد الجامع ببغداد وهو في سن الأربعين . وقد كان رضي الله عنه له درب عام ودرس خاص .

فالدرس العام كان يعقده في المسجد بعد صلاة العصر وكان هذا الدرس مشهوراً حافلاً بالسامعين ، حتى روي أن عدد الحضور في هذا الدرس كان يبلغ خمس آلاف فرد من شتى بقاع الأرض ، وكان منهم من يحضر الدرس لطلب العلم ، ومنهم من يحضره لطلب العظة ، ومنهم من كان يريد أن يهتدي بهديه ويتخلق بأخلاقه ويتأدب بأدبه ، ومنهم من كان يريد أن يلتمس البركة .

وقد كان درسه رضي الله عنه يسوده الوقار والهدوء والسكينة والجد ، فقد كان لا يمزح ولا يحب المزاح ولا يصبر على المزاح من غيره ، وإذا وجد من تعوَّد على المزاح فكان لا يمزح في مجلسه إذا كان حاضراً . وأما الدرس الخاص فكان يعقده في منزله .

هذا وقد لقِّب الإمام أحمد بشيخ العراق وإمام مشايخ بغداد ، وذلك بعد أن استجمعت فيه كل صفات الإمامة ومقوماتها .

وللإمام مؤهلات معينة وشروط خاصة لا تتوافر لدى كل من وهب نفسه للعلم ، وصار فيه ذا نباهة وشهرة ، ولا تتهيأ لكل من سجد لله مصلياً ، أو قضى الدهر صائماً ، وإنما الإمامة علم وعمل ، وفقه وحديث ، وحسن اجتهاد وجودة استنباط وسلوك وعبادة وتبصير وهداية ، ونصح وقدوة ، ودرس وتحصيل ، وشجاعة وثبات ، وزهد في الدنيا والمال ، وعزف عن الحكم والسلطان ، وتعفف وهيبة ، وحب للناس وتكريم لهم ، وعطف على اليتامى ، وحلم وتسامح ودفاع عن الحق ، ودفع للظلم ، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يمتلك كل هذه المؤهلات لذا جلس إماماً للناس يعلّمهم ويضع لهم القوانين التي وضعها الخالق في كتابه الكريم . وقد نال إعجاب الجميع من التلاميذ المخلصين له الذين جاؤوا إليه من كل مكان .

نشأته العلمية

نشأ الإمام أحمد بن حنبل حريصاً على طلب العلم ، شغوفاً به محباًّ له طالباً إياه في كل مكان ، وحفظ القرآن الكريم ، ودرس علم اللغة وتعلّم الكتابة والتحرير في الديوان وهو ابن أربع عشرة سنة . وقد كانت أمه تخاف عليه من التعب لأنه كان يواصل الليل بالنهار في طلب العلم ، لدرجة أنه كان يريد أن يخرج في طلب العلم قبل الفجر بكثير فكانت أمه تمسك ثيابه حتى لا يخرج إلا مع الفجر خوفاً عليه ، وحتى يصبح الناس ويستيقظوا من نومهم .

وقد رحل الإمام أحمد بن حنبل في طلب الحديث وتعلمه رغم الفقر الذي قد كان فيه من بغداد إلى مكة والمدينة والشام واليمن والكوفة والبصرة ، وذات يوم رآه رجل يعرفه فقال له : مرة إلى الكوفة ومرة إلى البصرة .. إلى متى ؟ وذات مرة سار من بغداد إلى الشام ليسمع من محدّث مشهور هناك ، فلما بلغه – أي وصل عنده – وجده يطعم كلباً وجلس ابن حنبل والإمام المحدّث يستمر في إطعام الكلب ، فلما انتهى من إطعام الكلب قال لابن حنبل : لعلك وجدت عليَّ من نفسك شيئاً؟ فقال ابن حنبل : نعم .

فقال المحدّث : إنه ليس بأرضنا كلاب وقد قصدني هذا الكلب ، ورجاني أن أطعمه وأسقيه ، فعلمت أنه جائع وظمآن ، فأطعمته وسقيته وأجبت رجاءه ، لأني سمعت من أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه يوم القيامة )) فابتسم الإمام أحمد بن حنبل وقال : يكفيني هذا الحديث ، وعاد إلى بغداد .

إلى غير ذلك من العناء الذي كان يواجه الإمام أحمد في جمع الأحاديث ، فقد كان الإمام أحمد يهتم اهتماماً كبيراً لمعرفة رواة الحديث ، حتى صار في الحديث إماماً بشهادة العلماء والأئمة له ، فقد كان الإمام الشافعي يقول : أنتم أعلم بالحديث وبالرجال ، وقد قال الشافعي يوماً لتلميذه الربيع بن سليمان في مصر : أحمد إمام في ثماني خصال : إمام في الحديث ، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القرآن ، إمام في الفقر ، إمام في الزهد ، إمام في الورع ، إمام في السنة .

وقد كان الإمام أحمد يسافر من مكان إلى مكان ليجمع أي عدد من الأحاديث النبوية مهما قلّت ، ولو رجع بحديث واحد لاعتبر نفسه فائزاً .. لهذا حكم عليه كثير من أهل التخصص أنه محدّث أكثر منه فقيهاً ، ومما ورد عنه أنه كان يقول قولة مشهورة وهي (( مع المحبرة إلى المقبرة )) وقولته أيضاً (( أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر )) ..

هذا وقد ظلّ ابن حنبل طالباً للعلم طيلة حياته وداوم على طلب الحديث حتى بعد أن أصيح فيه إماماً ، وقد قال له بعض الناس متعجباً من استمراره في طلب العلم على الرغم من إمامته وجلالته : إلى متى وقد بلغتَ هذا المبلغ وصرت إماماً ؟ فأجابه الإمام الإجابة المشهورة التي مرت (( مع المحبرة إلى المقبرة )) إنها كلمة تبهر الإنسان ، وتهز الكيان ، وفيها استمداد كريم من هدي الإسلام الذي علمنا أن العلم يطلب من المهد إلى اللحد ، فابن حنبل يحمل دواته وقلمه وورقه طيلة حياته مواصلاً طلب العلم . فليت كل طالب علم يضع أمام عينه كلمة الإمام أحمد بن حنبل (( مع المحبرة إلى المقبرة )) و (( أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر )) ..

وقد كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لا يعتمد على الذاكرة أو الحافظة ، بل كان يقيد كل ما يتلقى ويسمع ، وكان إذا أملى حديثاً لا يمليه إلا من كتاب وإن كان حافظاً له ..

شيوخه وأساتذته
كان للإمام أحمد شيوخ في الحديث وشيوخ في الفقه ، وكان الإمام أحمد يقدّرهم أجلَّ تقدير ، وكان يعترف بقيمة المعلم وبفضله ، وهذا من طبيعة أخلاقه .. وها نحن نذكر شيوخ الإمام أحمد بن حنبل ..

أولا : شيوخه في الحديث :

إن أول من سمع منه الإمام أحمد في حداثته أبو يوسف صاحبُ أبي حنيفة ، ولم يسمع منه إلا قليلاً ثم تركه وقصد إلى هشيم بن بشير وقال عنه الإمام أحمد بن حنبل (( كان هشيم بن بشير كثير التسبيح ، ولازمته أربعاً أو خمساً ما سألته عن شيء هيبة له إلا مرتين )) . ثم سمع أيضاً الإمام أحمد من عمير بن عبدالله بن خالد ومن عبدالرحمن بن مهدي ومن أبي بكر بن عياش وروى عنه .

ولما مات هشيم بن بشير راح الإمام أحمد يأخذ الحديث حيثما وجده حيث سمع خلقاً كثيراً من الكوفيين والبصريين وأهل الحرمين ، واليمن ، والجزيرة .

وطاف البلاد وروى عن بشر بن المفضل وإسماعيل بن بشر وسفيان بن عيينة وجرير بن عبدالحميد ويحيى بن سعيد القطان وأبي داود الطيالسي وعبدالله بن نمير وعبدالرزاق والإمام الشافعي وجماعة كثيرين . ذكر عددهم ابن الجوزي في مناقبه فقال : هم أربعة عشر وأربعمائة شيخ وامرأة واحدة وهي : أم عمر بنت حسان بن زيد الثقفي .

ثانيا : شيوخه في الفقه :

لم نعرف للإمام أحمد بن حنبل شيخاً في الفقه إلا الإمام الشافعي فقد اكتشفه في مجلس له في مكة فآثر مجلسه على مجلس ابن عيينة فتعلّم منه الفهم والاستنباط ، وكيفية استخراج الأحكام .

غربة وطن
03-16-2008, 11:07 PM
بارك الله لكَ على ما قدمت واسمح لي ببعض الاضافه على ما اسلفت من ذكر ...

الإمام ابن حنبل بين فكّي التاريخ

كانت وقفة الإمام احمد بن حنبل في وجه الظلم وفي وجه حملة تحريف الدين الإسلامي وفي وجه هرطقة المعتزلة وتخبّطهم في علوم وخفايا الدين وقفة عظيمة. وقد صمد الإمام بالرغم من التعذيب والضرب بالسياط والحبس والملاحقة والإغراء.

من أشعاره وهو في السجن :لعمرك ما يهوى لأحمد نكبـة

من الناس إلاّ ناقص العقل مُغْـوِرُ

هو المحنة اليوم الذي يُبتلى بـه

فيعتبـر السنِّـي فينـا ويسبُـرُ

شجىً في حلوق الملحدين وقرَّةٌ

لأعين أهل النسك عفٌّ مشـمِّـرُ

لريحانة القرَّاء تبغون عـثـرة

وكلِّكُمُ من جيفـة الكلب أقـذرُ

فيا أيها الساعي ليدرك شأوه

رويدك عـن إدراكـه ستقصِّـرُ

وقال عنه الأمام الشافعي:

أضحى ابن حنبل حجَّةً مبرورةً

وبِحُبِّ أحمدَ يُعـرَفُ المـتنسِّكُ

وإذا رأيت لأحمـد متنقِّصـاً

فاعلم بـأنَّ سُتـورَهُ ستُهَتَّـكُ

مؤلفاته :- المسند. ويحوي أكثر من أربعين ألف حديث.

- الناسخ والمنسوخ.

- العلل.

- السنن في الفقه.

خلاصة

كان الإمام أحمد عليماً بالأحاديث الأمر الذي وفّر له ثروة هائلة في العلم مكّنته من الاستنباط. وقد وسّع باب القياس مما

جعل الأحكام أقرب إلى مرامي الشارع ومقاصده المستوحاة من أعمال الرسول وأقواله. وكانت هناك حاجة ماسة إلى أحكامه، لأنّ العرب تفرّقوا بين الأمصار التي فتحوها وفيها أمم وشعوب مختلفة. وقد قدّم الإمام أحمد الحديث على الرأي والقياس ولو كان ضعيفاً . كما انه أكمل مشوار الشافعي من ناحية تعظيم دور السنة في البناء الفقهي.

وكانت شخصية الإمام أحمد رمزاً للصمود والثبات على الإيمان الراسخ ورفض الأفكار الدخيلة على الإسلام والعقيدة الإسلامية.




تقبل مني تواضع تواجدي واضافتي

يعطيك الف عافية