محمد فرج الأصفر
10-06-2009, 05:44 PM
بيان أفضل الناس بعد الأنبياء
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة عن حكم تفضيل أحد فوق الأنبياء
لا يشك أحد من المسلمين -لا عالم ولا عامي- أن أي شخص يزعم بأنه نبي أو في مرتبة نبي، أن هذا كافر مرتد عن الإسلام، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. ومن باب الأولى أن: من ادعى بأن أحد البشر من غير الأنبياء له مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء، فهذا أولى بالتكفير بين من جعل لهم مرتبة النبوة. وبذلك يتبين لكل مسلم عاقل أن شخصاً مثل الخميني الهالك عندما يقول في كتابه "الحكومة الإسلامية" (ص52): «إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب و لا نبي مرسل .. و قد ورد عنهم (ع) أن: لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب و لا نبي مرسل» أن هذا كفرٌ صريحٌ. وأن الخميني بهذا القول، أسوء مما لو ادعى النبوة لأئمته. قال الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل": «لا خلاف بين المسلمين في أن: جميع الأنبياء، كل نبي منهم أفضل ممن ليس بنبي من سائر الناس. ومن خالف هذا، فقد كَفر».
قال ابن حزم (5|125 ([سجل معنا ليظهر الرابط])): «ورأيت الباقلاني يقول: جائزٌ أن يكون في هذه الأمة من هو أفضل من رسول الله r من حين بعث إلى أن مات. ورأيت لأبي هاشم الجبائي: أنه لو طال عمر إنسان من المسلمين في الأعمال الصالحة، لأمكن أن يوازي عمل النبي r. كَذَبَ لعنه الله. قال أبو محمد: ولولا أنه استحيا قليلاً مما لم يستحي من نظيره الباقلاني، لقال ما يوجبه هذا القول من أنه كان يزيد فضلاً على رسول الله r». قال أبو محمد: «وهذه الأقوال كفرٌ مجردٌ لا تردد فيه. وحاشا لله تعالى من أن يكون أحدٌ -ولو عَمَّرَ عُمر الدهر- يلحق فضل صاحب. فكيف فضل رسول الله r أو نبي من الأنبياء -عليهم السلام-؟ فكيف يكون أفضل من رسول الله r؟ هذا ما لا تقبله نفس مُسلِم. كأنهم ما سمعوا قول الله عز وجل: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}».
1- تفضيل أمنا خديجة على فاطمة
كثيرٌ من العلماء يفضل فاطمة على أمنا خديجة. قال السبكي (المبتدع الكبير): «الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير». وابن حجر يذهب إلى ذلك أيضاً ويتعصب إليه. وليس هذا مقام السرد، لكن الخلاف شهير. مع أنه ينبغي أن لا يكون هناك خلاف في أن أمنا خديجة خيرٌ من ابنتها فاطمة، للنصوص القرآنية والحديثية الصريحة كما سيأتي.
2- تفضيل زينب بنت رسول الله على أختها فاطمة
قد قال رسول الله r لابنته زينب: «هي أفضل بناتي، أُصيبت فيّ». أخرجه البخاري في الصغير (1|7) بإسناد قوي كما قال ابن حجر، وصححه ابن خزيمة والحاكم (انظر تخريجه ([سجل معنا ليظهر الرابط]تخريج_الحديث) في آخر المقال). وهذا بعد أن هاجرت زينب من مكة إلى المدينة وأصيبت في الطريق. وقوله عليه الصلاة والسلام «هي أفضل بناتي» واضحٌ جليٌّ لا يحتاج لتأويل. ولم يقل أنها أفضل في شيء معيّن بل أطلق الفضل. وكونها أصيبت فيه (وقد أدت الإصابة لوفاتها) فضيلة عظيمة لها ليست عند أحد من أخواتها، فتأمّل!
3- تفضيل علي على الحسن والحسين
قال رسول الله r: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ومع ذلك لا خلاف بين أحد من الناس في أن علياً أفضل من ولديه الحسن والحسين. لا يخالف في ذلك أحد من السنة أو من الشيعة. وهذا صحيح، لأن السيادة غير الفضل. فالحسن والحسين أشرف نسباً من علي، لأن أمهما هي بنت محمد r. وهذا شرفٌ لا يدانيه شرف. لكن فرقٌ بين الشرف والفضل. وأبوهما خيرٌ منهما وأفضل بلا خلاف.
وقال بعض من اعترض علينا: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فهما سادة من ماتوا شباباً في الدنيا. وأبو بكر وعمر كما دل الحديث: سيدا كهول أهل الجنة. وعلي داخل في حديث أبي بكر وعمر لأنه مات كهلاً». أقول: بناءً على هذا فإن علياً مسكين فاتته السيادة لأنه مات كهلاً، فلم يعد سيداً لا للشباب ولا للكهول! مع العلم أن حديث "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة" بعيد عن الصحة. ثم أين الأنبياء؟ ثم هل تستنتج من حديث "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" أنهما خير من مات شاباً من بني آدم؟ فمن قال لا (وهو قول كل أهل السنة)، سقط استدلاله بفضل فاطمة على النبيات وعلى أمهات المؤمنين.
4- تفضيل أمنا عائشة على علي
ذكر بن جرير الطبري في تاريخه (3|27) ما مختصره أن علياً بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة. فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد. فخطبهم عمار وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، ثم قال لهم: "إني أقول لكم و والله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله (r) في الجنة كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطيعوها أو لتطيعوه". فقال له مسروق أو أبو الأسود: "يا أبا اليقظان، فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له". فسكت عمار، و قال له الحسن: "أعن نفسك عنا"».
قال ابن حزم: «فهذا عمار والحسن وكل من حضر من الصحابة (رضي الله عنهم) والتابعين –والكوفة يؤمئذٍ مملؤة منهم– يسمعون تفضيل عائشة على علي –وهو عند عمار والحسن أفضل من أبي بكر وعمر– فلا ينكِرونَ ذلك ولا يعترضونه، وهم أحوج ما كانوا إلى إنكاره. فصحّ أنهم متفقون على أنها وأزواجه –عليه السلام– أفضل من كل الناس بعد الأنبياء (عليهم السلام)».
5- تفضيل الصديقة عائشة على أبيها الصديق أبي بكر
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمرو بن العاص أن رسول الله (r) بعثه إلى جيش ذات السلاسل، قال فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعَدَّ رجالاً. وقد رُوي هذا الحديث من طريق أنسٍ كذلك.
وقد قال الله –عز وجل– عنه –عليه السلام–: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. فصح أن كلامه –عليه السلام– أنها أحب الناس إليه، وَحيٌ أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك ويُخبِرَ بذلك، لا عن هوىً له. ومن ظنّ ذلك، فقد كَذَّبَ الله تعالى. لكن لاستحقاقها لذلك الفضل في الدِّينِ والتقدم فيه على جميع الناس الموجبِ لأن يحبها رسول الله (r) أكثر من محبته لجميع الناس، فقد فَضَّلَها رسول الله (r) على أبيها وعلى عمر وعلي وعلى فاطمة تفضيلاً ظاهراً بلا شك. أقول: والعجب ممن يستدل بهذا الحديث على فضل أبي بكر على غيره، ويأبى بشدة أن يكون فيه تفضيل لأمنا عائشة رغم صراحته.
واعترض البعض علينا، بأن محبة النبي (r) لأمنا عائشة هو من باب الطبيعة البشرية. وأقول:
1) بالنسبة للشخص العادي فإن الحب طبيعة بشرية لا يدل على الفضل. لكننا نتكلم عن رسول الله (r) الذي عصمه الله وقال فيه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. فصح أن كلامه –عليه السلام– أنها أحب الناس إليه، وَحيٌ أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك ويُخبِرَ بذلك، لا عن هوىً له.
2) إن محبة رسول الله (r) لإنسانٍ فضيلة عظيمة له بإجماع السنة والشيعة. وذلك كقوله –عليه السلام– لعلي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". ولو كانت محبة رسول الله (r) لا تدل على الفضل، إذاً لما كانت هذه الأحاديث من الفضائل أصلاً.
3) محبة الطعام شيء ومحبة الشخص لشيء. فالأول طبع بشري، لكن الثاني بالنسبة لرسول الله r الذي لا يتكلم عن هوى، فإن محبته للأشخاص مناطة بعملهم وإيمانهم، أي بفضلهم عند الله عز وجل.
4) واحتج المعترض بحديث ضعيف فيه قول عمر لابنه: "كان أسامة أحب إلى رسول الله منك. وكان أبوه أحب إليه من أبيك". وهذا الحديث الذي تفرد به الترمذي ولم يصححه، لم يستدل به أحد للسبب الواضح. وعلى فرض صحته، فهذا يكون خطأً من عمر، يقابله تصريح رسول الله (r) بأن عمر أحب إليه، كما في الحديث الصحيح المتفق عليه. بل وتأمل قول ابن حزم عن ذلك الحديث الصحيح: «وما نعلم نَصّاً في وجوب القول بتقديم أبي بكر ثم عمر على سائر الصحابة إلا هذا الخبر».
5) أما حديث "لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخت أبا بكر خليلاً" فإن زوج المرء تعبر لغة وشرعاً خليلته! وأمنا عائشة هي زوج النبي (r) في الدنيا والآخرة. أما عن قول علي لأهل الكوفة "خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر". فهذا لما فضله شيعته على هؤلاء، وزعموا أنهم غصبوه حقه في الخلافة. فأخبرهم أنهما أفضل منه. فظهر أن مقصوده الراجال الصالحين للخلافة.
6) الرسول (r) قدوة للمسلمين وأسوة حسنة. فهو أولى بأن يختار أكثر النساء تديناً، كيف لا وهو الذي يأمر بأن يكون الاختيار على الدين ليس على غيره؟ لكن العكس ليس صحيح. فليست المرأة التي لم يتزوجها (من منطلق هذا الحديث وحده) ناقصة التدين.
قال الإمام ابن حزم: «وقد نصَّ النبي (r) على ما يُنكحُ له من النساء، فذَكَر الحسَب والمال والجَّمال والدِّين. ونهى (r) عن كل ذلك بقوله "فعليك بذات الدين تَرِبَتْ يَداك". فمن المُحالِ الممتنع أن يكون يحضّ على نكاح النساء واختيارهنّ للدِّين فقط، ثم يكون هو –عليه السلام– يخالِفُ ذلك، فيُحِبَّ عائشة لغير الدِّين. وكذلك قوله –عليه السلام– "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" لا يحِلُّ لمُسلمٍ أن يظنّ في ذلك شيئاً غير الفضل عند الله تعالى في الدِّين. فوصف الرجل امرأته للرجال، لا يرض به إلا خسيسٌ نذلٌ ساقطٌ. ولا يحِلُّ لمن له أدنى مِسكةٌ من عقلٍ أن يمرَّ هذا بباله عن فاضلٍ من الناس. فكيف عن المقدس المطهر البائن فضله على جميع الناس صلى الله عليه وسلم؟».
ثم إن محبة رسول الله r لإنسانٍ فضيلة عظيمة له بإجماع السنة والشيعة. وذلك كقوله –عليه السلام– لعلي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". فهل سيقول المخالف بأن محبة النبي r لعلي، هي محبة فطرية فقط لابن عمه وليس فيها فضلاً لعلي؟! هذا لا يقوله إلا الخوارج.
قال ابن حزم: «فإذا كانت عائشة أتمّ حظاً في المحبة التي هي أتم فضيلة، فهي أفضل ممن حظه في ذلك أقل من حظها. ولذلك لما قيل له –عليه السلام– "مِنَ الرجال؟"، قال "أبوها ثم عمر". فكان ذلك موجباً لفضل أبي بكر ثم عمر في الفضل من أجل تقدمهما في المحبة عليهما. وما نعلم نَصّاً في وجوب القول بتقديم ابن بكر ثم عمر على سائر الصحابة إلا هذا الخبر».
قال أبو محمد: «وهذه مسألةٌ نقطع فيها على أننا المحقّقون عند الله –عز وجل–، وأن من خالَفَنا فيها مخطئٌ عند الله –عز وجل– بلا شك. وليست مما يَسَعُ الشكّ فيه أصلاً. فإن قال قائلٌ: هل قال هذا أحدٌ قبلكم؟ قلنا له –وبالله تعالى التوفيق–: وهل قال غير هذا أحدٌ من قبل يخالفنا الآن؟! وقد علِمنا ضرورةً أن لنساء النبي (r) منزلة من الفضل بلا شك، فلا بد من البحث عنها. فليقل مخالفنا في أي منزلةٍ نضعهنّ: أبَعْدَ جميع الصحابة كلهم؟ فهذا ما لا يقوله أحد. أم بعد طائفةٍ منهم؟ فعليه الدليل، وهذا ما لا سبيل له إلى وجوده. وإذ قد بطل هذان القولان: أحدهما بالإجماع على أنه باطل، والثاني لأنه دعوى لا دليل عليها ولا برهان. فلم يبقَ إلا قولنا والحمد لله رب العالمين الموفق للصواب بفضله.
ثم نقول –وبالله تعالى نستعين–: قد صَحَّ أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) خطَبَ الناس حين ولّي بعد موت رسول الله r فقال: "أيها الناس، إني ولّيت عليكم ولست بخيركم" (أخرجه ابن إسحاق بإسنادٍ صحيح كما في سيرة ابن هشام 6\82). فقد صّحَ عنه (رضي الله عنه) أنه أعلن بحضرة جميع الصحابة (رضي الله عنهم) أنه ليس بخيرهم. ولم ينكر هذا القول منهم أحد. فدلَّ على متابعتهم له. ولا خلاف أنه ليس في أحد من الحاضرين لخطبته إنسانٌ يقول فيه أحدٌ من الناس أنه خيرٌ من أبي بكر إلا علي وابن مسعود وعمرو (قلت: تواتر عن علي تفضيله لأبي بكر على نفسه، والباقيان كذلك كانوا يرون فضله عليهما). أما جمهور الحاضرين من مخالفينا في هذه المسألة –من أهل السنة والمرجئة والمعتزلة والخوارج– فإنهم لا يختلفون في أن أبا بكر أفضل من علي وعمر وابن مسعود وخيرٌ منهم. فصحّ أنه لم يبق إلا أزواج النبي (r). فإن قال قائل: إنما قال أبو بكر هذا تواضعاًّ!! قلنا له: هذا هو الباطل المتيقن، لأن الصديق الذي سماه رسول الله (r) بهذا الاسم لا يجوز أن يكذِب، وحاشا له من ذلك، ولا يقول إلا الحق والصدق. فصحّ أن الصحابة متفقون في الأغلب على تصديقه في ذلك. فإذ ذلك كذلك، وسقط بالبرهان الواضح أن يكون أحد من الصحابة (رضي الله عنهم) خيراً من أبي بكر، لم يبق إلا أزواج النبي (r). ووضُحَ أننا لو قلنا أنه إجماعٌ من جمهور الصحابة، لم يبعُد من الصدق».
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة عن حكم تفضيل أحد فوق الأنبياء
لا يشك أحد من المسلمين -لا عالم ولا عامي- أن أي شخص يزعم بأنه نبي أو في مرتبة نبي، أن هذا كافر مرتد عن الإسلام، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم. ومن باب الأولى أن: من ادعى بأن أحد البشر من غير الأنبياء له مرتبة أعلى من مرتبة الأنبياء، فهذا أولى بالتكفير بين من جعل لهم مرتبة النبوة. وبذلك يتبين لكل مسلم عاقل أن شخصاً مثل الخميني الهالك عندما يقول في كتابه "الحكومة الإسلامية" (ص52): «إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب و لا نبي مرسل .. و قد ورد عنهم (ع) أن: لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب و لا نبي مرسل» أن هذا كفرٌ صريحٌ. وأن الخميني بهذا القول، أسوء مما لو ادعى النبوة لأئمته. قال الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل": «لا خلاف بين المسلمين في أن: جميع الأنبياء، كل نبي منهم أفضل ممن ليس بنبي من سائر الناس. ومن خالف هذا، فقد كَفر».
قال ابن حزم (5|125 ([سجل معنا ليظهر الرابط])): «ورأيت الباقلاني يقول: جائزٌ أن يكون في هذه الأمة من هو أفضل من رسول الله r من حين بعث إلى أن مات. ورأيت لأبي هاشم الجبائي: أنه لو طال عمر إنسان من المسلمين في الأعمال الصالحة، لأمكن أن يوازي عمل النبي r. كَذَبَ لعنه الله. قال أبو محمد: ولولا أنه استحيا قليلاً مما لم يستحي من نظيره الباقلاني، لقال ما يوجبه هذا القول من أنه كان يزيد فضلاً على رسول الله r». قال أبو محمد: «وهذه الأقوال كفرٌ مجردٌ لا تردد فيه. وحاشا لله تعالى من أن يكون أحدٌ -ولو عَمَّرَ عُمر الدهر- يلحق فضل صاحب. فكيف فضل رسول الله r أو نبي من الأنبياء -عليهم السلام-؟ فكيف يكون أفضل من رسول الله r؟ هذا ما لا تقبله نفس مُسلِم. كأنهم ما سمعوا قول الله عز وجل: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}».
1- تفضيل أمنا خديجة على فاطمة
كثيرٌ من العلماء يفضل فاطمة على أمنا خديجة. قال السبكي (المبتدع الكبير): «الذي ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، والخلاف شهير». وابن حجر يذهب إلى ذلك أيضاً ويتعصب إليه. وليس هذا مقام السرد، لكن الخلاف شهير. مع أنه ينبغي أن لا يكون هناك خلاف في أن أمنا خديجة خيرٌ من ابنتها فاطمة، للنصوص القرآنية والحديثية الصريحة كما سيأتي.
2- تفضيل زينب بنت رسول الله على أختها فاطمة
قد قال رسول الله r لابنته زينب: «هي أفضل بناتي، أُصيبت فيّ». أخرجه البخاري في الصغير (1|7) بإسناد قوي كما قال ابن حجر، وصححه ابن خزيمة والحاكم (انظر تخريجه ([سجل معنا ليظهر الرابط]تخريج_الحديث) في آخر المقال). وهذا بعد أن هاجرت زينب من مكة إلى المدينة وأصيبت في الطريق. وقوله عليه الصلاة والسلام «هي أفضل بناتي» واضحٌ جليٌّ لا يحتاج لتأويل. ولم يقل أنها أفضل في شيء معيّن بل أطلق الفضل. وكونها أصيبت فيه (وقد أدت الإصابة لوفاتها) فضيلة عظيمة لها ليست عند أحد من أخواتها، فتأمّل!
3- تفضيل علي على الحسن والحسين
قال رسول الله r: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ومع ذلك لا خلاف بين أحد من الناس في أن علياً أفضل من ولديه الحسن والحسين. لا يخالف في ذلك أحد من السنة أو من الشيعة. وهذا صحيح، لأن السيادة غير الفضل. فالحسن والحسين أشرف نسباً من علي، لأن أمهما هي بنت محمد r. وهذا شرفٌ لا يدانيه شرف. لكن فرقٌ بين الشرف والفضل. وأبوهما خيرٌ منهما وأفضل بلا خلاف.
وقال بعض من اعترض علينا: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فهما سادة من ماتوا شباباً في الدنيا. وأبو بكر وعمر كما دل الحديث: سيدا كهول أهل الجنة. وعلي داخل في حديث أبي بكر وعمر لأنه مات كهلاً». أقول: بناءً على هذا فإن علياً مسكين فاتته السيادة لأنه مات كهلاً، فلم يعد سيداً لا للشباب ولا للكهول! مع العلم أن حديث "أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة" بعيد عن الصحة. ثم أين الأنبياء؟ ثم هل تستنتج من حديث "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" أنهما خير من مات شاباً من بني آدم؟ فمن قال لا (وهو قول كل أهل السنة)، سقط استدلاله بفضل فاطمة على النبيات وعلى أمهات المؤمنين.
4- تفضيل أمنا عائشة على علي
ذكر بن جرير الطبري في تاريخه (3|27) ما مختصره أن علياً بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة. فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد. فخطبهم عمار وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة، ثم قال لهم: "إني أقول لكم و والله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله (r) في الجنة كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطيعوها أو لتطيعوه". فقال له مسروق أو أبو الأسود: "يا أبا اليقظان، فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له". فسكت عمار، و قال له الحسن: "أعن نفسك عنا"».
قال ابن حزم: «فهذا عمار والحسن وكل من حضر من الصحابة (رضي الله عنهم) والتابعين –والكوفة يؤمئذٍ مملؤة منهم– يسمعون تفضيل عائشة على علي –وهو عند عمار والحسن أفضل من أبي بكر وعمر– فلا ينكِرونَ ذلك ولا يعترضونه، وهم أحوج ما كانوا إلى إنكاره. فصحّ أنهم متفقون على أنها وأزواجه –عليه السلام– أفضل من كل الناس بعد الأنبياء (عليهم السلام)».
5- تفضيل الصديقة عائشة على أبيها الصديق أبي بكر
أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمرو بن العاص أن رسول الله (r) بعثه إلى جيش ذات السلاسل، قال فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة. قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فعَدَّ رجالاً. وقد رُوي هذا الحديث من طريق أنسٍ كذلك.
وقد قال الله –عز وجل– عنه –عليه السلام–: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. فصح أن كلامه –عليه السلام– أنها أحب الناس إليه، وَحيٌ أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك ويُخبِرَ بذلك، لا عن هوىً له. ومن ظنّ ذلك، فقد كَذَّبَ الله تعالى. لكن لاستحقاقها لذلك الفضل في الدِّينِ والتقدم فيه على جميع الناس الموجبِ لأن يحبها رسول الله (r) أكثر من محبته لجميع الناس، فقد فَضَّلَها رسول الله (r) على أبيها وعلى عمر وعلي وعلى فاطمة تفضيلاً ظاهراً بلا شك. أقول: والعجب ممن يستدل بهذا الحديث على فضل أبي بكر على غيره، ويأبى بشدة أن يكون فيه تفضيل لأمنا عائشة رغم صراحته.
واعترض البعض علينا، بأن محبة النبي (r) لأمنا عائشة هو من باب الطبيعة البشرية. وأقول:
1) بالنسبة للشخص العادي فإن الحب طبيعة بشرية لا يدل على الفضل. لكننا نتكلم عن رسول الله (r) الذي عصمه الله وقال فيه: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. فصح أن كلامه –عليه السلام– أنها أحب الناس إليه، وَحيٌ أوحاه الله تعالى إليه ليكون كذلك ويُخبِرَ بذلك، لا عن هوىً له.
2) إن محبة رسول الله (r) لإنسانٍ فضيلة عظيمة له بإجماع السنة والشيعة. وذلك كقوله –عليه السلام– لعلي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". ولو كانت محبة رسول الله (r) لا تدل على الفضل، إذاً لما كانت هذه الأحاديث من الفضائل أصلاً.
3) محبة الطعام شيء ومحبة الشخص لشيء. فالأول طبع بشري، لكن الثاني بالنسبة لرسول الله r الذي لا يتكلم عن هوى، فإن محبته للأشخاص مناطة بعملهم وإيمانهم، أي بفضلهم عند الله عز وجل.
4) واحتج المعترض بحديث ضعيف فيه قول عمر لابنه: "كان أسامة أحب إلى رسول الله منك. وكان أبوه أحب إليه من أبيك". وهذا الحديث الذي تفرد به الترمذي ولم يصححه، لم يستدل به أحد للسبب الواضح. وعلى فرض صحته، فهذا يكون خطأً من عمر، يقابله تصريح رسول الله (r) بأن عمر أحب إليه، كما في الحديث الصحيح المتفق عليه. بل وتأمل قول ابن حزم عن ذلك الحديث الصحيح: «وما نعلم نَصّاً في وجوب القول بتقديم أبي بكر ثم عمر على سائر الصحابة إلا هذا الخبر».
5) أما حديث "لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخت أبا بكر خليلاً" فإن زوج المرء تعبر لغة وشرعاً خليلته! وأمنا عائشة هي زوج النبي (r) في الدنيا والآخرة. أما عن قول علي لأهل الكوفة "خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر". فهذا لما فضله شيعته على هؤلاء، وزعموا أنهم غصبوه حقه في الخلافة. فأخبرهم أنهما أفضل منه. فظهر أن مقصوده الراجال الصالحين للخلافة.
6) الرسول (r) قدوة للمسلمين وأسوة حسنة. فهو أولى بأن يختار أكثر النساء تديناً، كيف لا وهو الذي يأمر بأن يكون الاختيار على الدين ليس على غيره؟ لكن العكس ليس صحيح. فليست المرأة التي لم يتزوجها (من منطلق هذا الحديث وحده) ناقصة التدين.
قال الإمام ابن حزم: «وقد نصَّ النبي (r) على ما يُنكحُ له من النساء، فذَكَر الحسَب والمال والجَّمال والدِّين. ونهى (r) عن كل ذلك بقوله "فعليك بذات الدين تَرِبَتْ يَداك". فمن المُحالِ الممتنع أن يكون يحضّ على نكاح النساء واختيارهنّ للدِّين فقط، ثم يكون هو –عليه السلام– يخالِفُ ذلك، فيُحِبَّ عائشة لغير الدِّين. وكذلك قوله –عليه السلام– "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" لا يحِلُّ لمُسلمٍ أن يظنّ في ذلك شيئاً غير الفضل عند الله تعالى في الدِّين. فوصف الرجل امرأته للرجال، لا يرض به إلا خسيسٌ نذلٌ ساقطٌ. ولا يحِلُّ لمن له أدنى مِسكةٌ من عقلٍ أن يمرَّ هذا بباله عن فاضلٍ من الناس. فكيف عن المقدس المطهر البائن فضله على جميع الناس صلى الله عليه وسلم؟».
ثم إن محبة رسول الله r لإنسانٍ فضيلة عظيمة له بإجماع السنة والشيعة. وذلك كقوله –عليه السلام– لعلي: "لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". فهل سيقول المخالف بأن محبة النبي r لعلي، هي محبة فطرية فقط لابن عمه وليس فيها فضلاً لعلي؟! هذا لا يقوله إلا الخوارج.
قال ابن حزم: «فإذا كانت عائشة أتمّ حظاً في المحبة التي هي أتم فضيلة، فهي أفضل ممن حظه في ذلك أقل من حظها. ولذلك لما قيل له –عليه السلام– "مِنَ الرجال؟"، قال "أبوها ثم عمر". فكان ذلك موجباً لفضل أبي بكر ثم عمر في الفضل من أجل تقدمهما في المحبة عليهما. وما نعلم نَصّاً في وجوب القول بتقديم ابن بكر ثم عمر على سائر الصحابة إلا هذا الخبر».
قال أبو محمد: «وهذه مسألةٌ نقطع فيها على أننا المحقّقون عند الله –عز وجل–، وأن من خالَفَنا فيها مخطئٌ عند الله –عز وجل– بلا شك. وليست مما يَسَعُ الشكّ فيه أصلاً. فإن قال قائلٌ: هل قال هذا أحدٌ قبلكم؟ قلنا له –وبالله تعالى التوفيق–: وهل قال غير هذا أحدٌ من قبل يخالفنا الآن؟! وقد علِمنا ضرورةً أن لنساء النبي (r) منزلة من الفضل بلا شك، فلا بد من البحث عنها. فليقل مخالفنا في أي منزلةٍ نضعهنّ: أبَعْدَ جميع الصحابة كلهم؟ فهذا ما لا يقوله أحد. أم بعد طائفةٍ منهم؟ فعليه الدليل، وهذا ما لا سبيل له إلى وجوده. وإذ قد بطل هذان القولان: أحدهما بالإجماع على أنه باطل، والثاني لأنه دعوى لا دليل عليها ولا برهان. فلم يبقَ إلا قولنا والحمد لله رب العالمين الموفق للصواب بفضله.
ثم نقول –وبالله تعالى نستعين–: قد صَحَّ أن أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) خطَبَ الناس حين ولّي بعد موت رسول الله r فقال: "أيها الناس، إني ولّيت عليكم ولست بخيركم" (أخرجه ابن إسحاق بإسنادٍ صحيح كما في سيرة ابن هشام 6\82). فقد صّحَ عنه (رضي الله عنه) أنه أعلن بحضرة جميع الصحابة (رضي الله عنهم) أنه ليس بخيرهم. ولم ينكر هذا القول منهم أحد. فدلَّ على متابعتهم له. ولا خلاف أنه ليس في أحد من الحاضرين لخطبته إنسانٌ يقول فيه أحدٌ من الناس أنه خيرٌ من أبي بكر إلا علي وابن مسعود وعمرو (قلت: تواتر عن علي تفضيله لأبي بكر على نفسه، والباقيان كذلك كانوا يرون فضله عليهما). أما جمهور الحاضرين من مخالفينا في هذه المسألة –من أهل السنة والمرجئة والمعتزلة والخوارج– فإنهم لا يختلفون في أن أبا بكر أفضل من علي وعمر وابن مسعود وخيرٌ منهم. فصحّ أنه لم يبق إلا أزواج النبي (r). فإن قال قائل: إنما قال أبو بكر هذا تواضعاًّ!! قلنا له: هذا هو الباطل المتيقن، لأن الصديق الذي سماه رسول الله (r) بهذا الاسم لا يجوز أن يكذِب، وحاشا له من ذلك، ولا يقول إلا الحق والصدق. فصحّ أن الصحابة متفقون في الأغلب على تصديقه في ذلك. فإذ ذلك كذلك، وسقط بالبرهان الواضح أن يكون أحد من الصحابة (رضي الله عنهم) خيراً من أبي بكر، لم يبق إلا أزواج النبي (r). ووضُحَ أننا لو قلنا أنه إجماعٌ من جمهور الصحابة، لم يبعُد من الصدق».