Sherif kenzo
02-26-2008, 08:33 PM
اسمه ونسبه ومولده
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الهاشمي المكي ..
والشافعي من هاشمين : هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد مناف إذ تزوج الأخير من الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف ، فولدت له عبد يزيد جد الشافعي ..
والإمام الشافعي هو ثالث الأربعة في ترتيب الميلاد ، وهو ناصر الحديث ومجدد القرن الثاني ..
ولد الإمام الشافعي رضي الله عنه في غزة من أرض فلسطين سنة 150 هـ ..
ولقد شبّ الشافعي فقيراً رقيق الحال ضيق العيش ، حتى إنه احتاج وهو يطلب العلم إلى جمع قطع الخزف (( الفخار )) وقطع الجلود ، وسعف النخيل وعظام الجمال ليكتب عليها ، وكان يذهب إلى الدواوين ويستوهب أهلها أوراقاً ليكتب عليها وقد هاجر أبوه من مكة إلى غزة وعسقلان بحثاً عن الرزق ، إلا أنه مات بعد ولادة ولده محمد بزمن قصير ، وأصبح محمد طفلاً يتمياً ، ارتبط مصيره بتصرف أمه ، فإن كانت الأم عاقلة حاذقة ، هيأت للطفل أسباب السعادة والنشأة الصالحة ، وإن كانت غير ذلك عرضت ولدها للشقاء والتعاسة والمستقبل المضطرب . ولحسن الطالع كانت أم الشافعي من الأمهات الصالحات الحاذقات المجاهدات ..
ومما يدل على صلاحها وحذاقتها أن دعيت للشهادة عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى مع رجل ..
فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين يستمع إلى شهادة كل واحدة على حدة ، فقالت أم الشافعي للقاضي : ليس لك ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول : (( أَن تَضِلَّ إِحداهُما فَتُذَكِّرَ إِحادهُما الأُخرى )) ] البقرة : 282 [ ..
فوافق القاضي على ما قالت واعتبر ذلك استباطاً قوياً منها ، ودليلاً على علمها ومعرفتها لما في كتاب الله تبارك وتعالى ، وكان علمها رضي الله عنها سبباً في تربية ولدها تربية سليمة صحيحة جعلت منه إماماً للأمة الإسلامية ..
الرحلة الأولى إلى المدينة المنورة
كان الإمام الشافعي يشتاق دائماً إلى رؤية المدينة المنورة موطن انتشار الدعوة الإسلامية في بداية ظهورها . وقد كان قلبه يحن إلى زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة مقام النبي وصاحبيه أبو بكر وعمر ، وزيارة البقيع ورؤية الإمام مالك والاستفادة منه في مجال الفقه ، فلما أتم حفظ القرآن الكريم وحفظ (( الموطأ )) الكتاب الذي جمع أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتعلّم من اللغة والأدب والشعر والبلاغة ما تعلّم ، أراد أن يرحل إلى المدينة المنورة ليحصل على العلوم التي فيها . فذهب إلى والي مكة المكرمة وطلب منه أن يكتب له رسالة توصية لوالي المدينة المنورة ليهتم به الوالي ويقدمه إلى الإمام مالك .
وقد كان والي مكة المكرمة يعرف الإمام الشافعي جيدً ويحبه حباً كبيراً لعلمه ، فكتب له رسالتين : الأولى للوالي يوضح له فيها مكانة الإمام الشافعي ، والثانية للإمام مالك يوضح له فيها الدور العظيم الذي يقوم به الشافعي مع أهل مكة وغيرهم في الأمور الدينية .
أخذ الإمام الشافعي الرسالتين واتجه إلى بيته وعليه يظهر الفرح والسرور ، حتى إنه من شدة فرحه طرق الباب على أمه بشدة فقالت له أمه : من بالباب؟
قال : أنا الشافعي .
قالت له الأم : ارجع وتعلّم الأدب ثم عد .
فما زال الشافعي يطلب منها أن تفتح له الباب واستسمحها وقال لها : لن أطرق الباب بهذه الصورة بعد ذلك حتى فتحت له الباب وقصّ عليها ما حدث .
ثم رحل من مكة إلى المدينة المنورة ودخل المسجد الحرام وصلّى فيه العصر وتقدم للمقام وسلّم على النبي وصاحبيه وزار البقيع والتى بوالي المدينة وقدّمه الوالي إلى الإمام مالك .
ولما عرفه الإمام مالك وعرف مكانته رحب به واستضافه في بيته وقال له : غداً سأقرأ عليك (( الموطأ )) فقال له الإمام الشافعي : أنا أحفظه ؛ فطلب الإمام مالك أن يقرأ الموطأ فظلّ يقرأ الإمام الشافعي (( الموطأ )) على الإمام مالك حتى أتمه في أيام قلائل ، ففرح به الإمام مالك . وبدأ الشافعي يحضر دروس الإمام مالك في المسجد ويواظب عليها ويكتب ما يسمعه من الإمام مالك . وكان الإمام مالك يتابعه ويلاحظه ويتعجب منه .
وأقام الإمام الشافعي ضيفاً عنده ثمانية أشهر يلازمه في البيت وفي المسجد ، ويقدم له الطعام والشراب بنفسه ، ويأخذه في صحبته إلى المسجد ، وبعدما يقرأ الإمام على الناس الموطأ يعطيه للشافعي ليمليه عليهم وهم يكتبونه حتى عرفه الناس وارتفعت منزلته عندهم وهكذا تعلّم الشافعي الفقه من الإمام مالك وحفظ منه الحديث واستوثق من متانة حفظه ، ولم يدع الشافعي شيخاً من مشايخ المدينة إلا أخذ عنه ..
رحلاته العلمية
لقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يحب التنقل من بلد إلى آخر طلباً للعلم على يد العلماء ، وليستمع إلى الأدباء والشعراء ، وليرى أحوال المسلمين وقد أنشد أبياتاً من الشعر تبين ذلك فقال :
مافي المُقامِ لِذي عقل وذي أدب ** من راحة فَدَعِ الأوطانَ واغترب
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ** وَانصَب فإنَّ لذيذ العيش في النَّصَبِ
إني رأيت وقوف الماء يفسده ** إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست ** والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والتبر كالترب ملقى في أماكنه ** والعود في أرضه نوع من الحطب
وها نحن الآن نذكر رحلات الإمام الشافعي ، ومن ذكرنا لهذه الرحلات يتبين لنا من خلالها المعاناة التي عاناها الإمام الشافعي في حياته حتى أصبح إماماً من الأئمة الأعلام الذين يُضرب بهم المثل في كل زمان ومكان ..
نشأته العلمية
أدخلت السيدة فاطمة بنت عبد الله الأزدية ولدها محمد بن إدريس الشافعي إلى المكتب لحيفظ القرآن الكريم وهو صغير ، رغم فقره الذي كان فيه ، وزاد على ذلك أنه أصبح يتيماً ، ودخل الشافعي المكتب ولم تجد أمه أجرة المعلم الذي كان يعلمه وكان المعلم يقصر في تعلميه من أجل ذلك ، ولكن الطفل القرشي الذي لفت نظر المعلم إليه فقد كان سريع الحفظ فتبناه المعلم وعلّمه دون أن يأخذ منه أجرة . وحفظ الإمام الشافعي القرآن الكريم وموطأ الإمام مالك وهو ابن عشر سنين . واهتم بعد ذلك بقواعد اللغة العربية وكلماتها ، ورحل في سبيل ذلك إلى البادية وعاشر قبيلة (( هذيل )) عشر سنين ليتعلم من كلامها ، ويأخذ طبعها وكانت هذيل أفصح العرب ، وحفظ الإمام الشافعي أشعار هذيل وأخبارها ..
وكان يتعلم الرَّحي بجوار العلم حتى إنه كان يرمي عشرة سهام ، فلا يخطئ في سهم منها ..
وقد انصرف إلى تعلم الفقه حتى بلغ فيه مبلغه ، وقد رويت أربع روايات في تعلمه الفقه ..
الرواية الأولى : أنه كان يسير يومياً على دابة له وهو ناشئ ، وخلفه كاتب لعبد الله الزبيري ، فتمثل الشافعي ببيت من الشعر فقرعه الكاتب بسوطه كالناصح وقال له : مثلك من يذهب بمروءته في مثل هذا؟ أين أنت من الفقه؟ فأثر فيه كلامه وسارع بمجالسة مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة وتلقى عنه ..
الرواية الثانية : أنه التقى وهو في طريقه إلى طلب النحو والأدب بمسلم ، فقال للشافعي : من أين أنت؟ قال : من أهل مكة ، قال : أين منزلك؟ فقال : بشعب الخيف .. قال : من أي قبيلة أنت؟ فأجاب الشافعي : من عبد مناف . قال مسلم : بخ بخ ، لقد شرّفك الله في الدنيا والآخرة ، إلا جعلت فهمك هذا الفقه فكان أحسن لك؟
الرواية الثالثة : أن الشافعي كان ينظر في الشعر ، وارتقى عقبة بمنى ، وإذا صوت من خلفه يقول له : عليك بالفقه فاتجه إليه ، وأغلب الظن أن هذه الرواية أقرب إلى التخيل منها إلى الواقع ..
الرواية الرابعة : أن مصعب بن عبد الله بن الزبير التقى بالشافعي وهو مجتهد في طلب الشعر والنحو ، فقال له إلى كم هذا؟ لو طلبت الحديث والفقه كان أمثل بك ، وانصرف به مصعب إلى مالك بن أنس وأوصاه به ، فما ترك عند مالك إلا الأقل ، ولا ترك شيئا عند مشايخ المدينة إلى جمعه ، وذهب إلى العراق فانقطع إلى محمد بن الحسن وأخذ منه ، ثم جاء إلى المدينة ..
ومهما كان من روايات فالحاصل أن الله تبارك وتعالى قد هيأ الإمام الشافعي من نبهه على تعلم الفقه وأنه أهم من اللغة والأدب ..
وهكذا ظلّ الإمام الشافعي يجالس العلماء في مختلف العلوم ، وكان لشدة فقره يجمع العظام التي يستطيع الكتابة عليها ليكتب مذكراته التي يتلقاها من العلماء ، وكان يذهب إلى دواوين الحكومة ويتلقط القصاصات من تحت أقدام الكتبة ليكتب على ظهرها وفي المسافات الخالية من الكتاب ويقول :
العلم صيد والكتابة قيده *** قيد صيودك بالحبال الواثقه
فمن الحماقة أن تصيد غزالة ** وتتركها بين الخلائق طالقه
وذات يوم ضاق صندوق الإمام الشافعي بما يكتب عليه من قصاصات وعظام وغيرها وامتلأت حجرته حتى إنه لم يجد مكاناً يستريح فيه أو ينام ، فعزم على أن يحفظ كل ما جمعه من القصاصات والعظام حفظاً متقناً ويستغني عن كل ذلك من عظام وقصاصات ..
وكان الإمام الشافعي ذكياً بلغ ذكاؤه درجة عظيمة لدرجة أنه إذا فتح كتاباً يحفظ به شيئاً اجتهد أن يغطي بطرف كمه الصفحة الثانية مخافة أن يقع نظره عليها فيحفظها قبل أن يحفظ الصفحة التي يريدها ..
وقد كان السبب في قوة ذكائه أنه كان قوي الإيمان صادق اليقين حَسُنَ الاعتقاد ..
وعلى الرغم من قوة ذكائه وحفظه إلا أنه كان يشكو في بعض الأحيان سوء حفظه ويتهم نفسه بالتقصير ويقول :
شَكَوتُ إلى وَكيعٍ حِفظي ** فأرشَدَني إلى تَركِ المعاصي
وأخبَرَني بِأنَّ العِلمَ نورٌ ** ونورُ اللهِ لا يُهدى لِعاصي
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي الهاشمي المكي ..
والشافعي من هاشمين : هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد مناف إذ تزوج الأخير من الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف ، فولدت له عبد يزيد جد الشافعي ..
والإمام الشافعي هو ثالث الأربعة في ترتيب الميلاد ، وهو ناصر الحديث ومجدد القرن الثاني ..
ولد الإمام الشافعي رضي الله عنه في غزة من أرض فلسطين سنة 150 هـ ..
ولقد شبّ الشافعي فقيراً رقيق الحال ضيق العيش ، حتى إنه احتاج وهو يطلب العلم إلى جمع قطع الخزف (( الفخار )) وقطع الجلود ، وسعف النخيل وعظام الجمال ليكتب عليها ، وكان يذهب إلى الدواوين ويستوهب أهلها أوراقاً ليكتب عليها وقد هاجر أبوه من مكة إلى غزة وعسقلان بحثاً عن الرزق ، إلا أنه مات بعد ولادة ولده محمد بزمن قصير ، وأصبح محمد طفلاً يتمياً ، ارتبط مصيره بتصرف أمه ، فإن كانت الأم عاقلة حاذقة ، هيأت للطفل أسباب السعادة والنشأة الصالحة ، وإن كانت غير ذلك عرضت ولدها للشقاء والتعاسة والمستقبل المضطرب . ولحسن الطالع كانت أم الشافعي من الأمهات الصالحات الحاذقات المجاهدات ..
ومما يدل على صلاحها وحذاقتها أن دعيت للشهادة عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى مع رجل ..
فأراد القاضي أن يفرق بين المرأتين يستمع إلى شهادة كل واحدة على حدة ، فقالت أم الشافعي للقاضي : ليس لك ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول : (( أَن تَضِلَّ إِحداهُما فَتُذَكِّرَ إِحادهُما الأُخرى )) ] البقرة : 282 [ ..
فوافق القاضي على ما قالت واعتبر ذلك استباطاً قوياً منها ، ودليلاً على علمها ومعرفتها لما في كتاب الله تبارك وتعالى ، وكان علمها رضي الله عنها سبباً في تربية ولدها تربية سليمة صحيحة جعلت منه إماماً للأمة الإسلامية ..
الرحلة الأولى إلى المدينة المنورة
كان الإمام الشافعي يشتاق دائماً إلى رؤية المدينة المنورة موطن انتشار الدعوة الإسلامية في بداية ظهورها . وقد كان قلبه يحن إلى زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة مقام النبي وصاحبيه أبو بكر وعمر ، وزيارة البقيع ورؤية الإمام مالك والاستفادة منه في مجال الفقه ، فلما أتم حفظ القرآن الكريم وحفظ (( الموطأ )) الكتاب الذي جمع أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتعلّم من اللغة والأدب والشعر والبلاغة ما تعلّم ، أراد أن يرحل إلى المدينة المنورة ليحصل على العلوم التي فيها . فذهب إلى والي مكة المكرمة وطلب منه أن يكتب له رسالة توصية لوالي المدينة المنورة ليهتم به الوالي ويقدمه إلى الإمام مالك .
وقد كان والي مكة المكرمة يعرف الإمام الشافعي جيدً ويحبه حباً كبيراً لعلمه ، فكتب له رسالتين : الأولى للوالي يوضح له فيها مكانة الإمام الشافعي ، والثانية للإمام مالك يوضح له فيها الدور العظيم الذي يقوم به الشافعي مع أهل مكة وغيرهم في الأمور الدينية .
أخذ الإمام الشافعي الرسالتين واتجه إلى بيته وعليه يظهر الفرح والسرور ، حتى إنه من شدة فرحه طرق الباب على أمه بشدة فقالت له أمه : من بالباب؟
قال : أنا الشافعي .
قالت له الأم : ارجع وتعلّم الأدب ثم عد .
فما زال الشافعي يطلب منها أن تفتح له الباب واستسمحها وقال لها : لن أطرق الباب بهذه الصورة بعد ذلك حتى فتحت له الباب وقصّ عليها ما حدث .
ثم رحل من مكة إلى المدينة المنورة ودخل المسجد الحرام وصلّى فيه العصر وتقدم للمقام وسلّم على النبي وصاحبيه وزار البقيع والتى بوالي المدينة وقدّمه الوالي إلى الإمام مالك .
ولما عرفه الإمام مالك وعرف مكانته رحب به واستضافه في بيته وقال له : غداً سأقرأ عليك (( الموطأ )) فقال له الإمام الشافعي : أنا أحفظه ؛ فطلب الإمام مالك أن يقرأ الموطأ فظلّ يقرأ الإمام الشافعي (( الموطأ )) على الإمام مالك حتى أتمه في أيام قلائل ، ففرح به الإمام مالك . وبدأ الشافعي يحضر دروس الإمام مالك في المسجد ويواظب عليها ويكتب ما يسمعه من الإمام مالك . وكان الإمام مالك يتابعه ويلاحظه ويتعجب منه .
وأقام الإمام الشافعي ضيفاً عنده ثمانية أشهر يلازمه في البيت وفي المسجد ، ويقدم له الطعام والشراب بنفسه ، ويأخذه في صحبته إلى المسجد ، وبعدما يقرأ الإمام على الناس الموطأ يعطيه للشافعي ليمليه عليهم وهم يكتبونه حتى عرفه الناس وارتفعت منزلته عندهم وهكذا تعلّم الشافعي الفقه من الإمام مالك وحفظ منه الحديث واستوثق من متانة حفظه ، ولم يدع الشافعي شيخاً من مشايخ المدينة إلا أخذ عنه ..
رحلاته العلمية
لقد كان الإمام الشافعي رضي الله عنه يحب التنقل من بلد إلى آخر طلباً للعلم على يد العلماء ، وليستمع إلى الأدباء والشعراء ، وليرى أحوال المسلمين وقد أنشد أبياتاً من الشعر تبين ذلك فقال :
مافي المُقامِ لِذي عقل وذي أدب ** من راحة فَدَعِ الأوطانَ واغترب
سافر تجد عوضاً عمن تفارقه ** وَانصَب فإنَّ لذيذ العيش في النَّصَبِ
إني رأيت وقوف الماء يفسده ** إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الغاب ما افترست ** والسهم لولا فراق القوس لم يصب
والتبر كالترب ملقى في أماكنه ** والعود في أرضه نوع من الحطب
وها نحن الآن نذكر رحلات الإمام الشافعي ، ومن ذكرنا لهذه الرحلات يتبين لنا من خلالها المعاناة التي عاناها الإمام الشافعي في حياته حتى أصبح إماماً من الأئمة الأعلام الذين يُضرب بهم المثل في كل زمان ومكان ..
نشأته العلمية
أدخلت السيدة فاطمة بنت عبد الله الأزدية ولدها محمد بن إدريس الشافعي إلى المكتب لحيفظ القرآن الكريم وهو صغير ، رغم فقره الذي كان فيه ، وزاد على ذلك أنه أصبح يتيماً ، ودخل الشافعي المكتب ولم تجد أمه أجرة المعلم الذي كان يعلمه وكان المعلم يقصر في تعلميه من أجل ذلك ، ولكن الطفل القرشي الذي لفت نظر المعلم إليه فقد كان سريع الحفظ فتبناه المعلم وعلّمه دون أن يأخذ منه أجرة . وحفظ الإمام الشافعي القرآن الكريم وموطأ الإمام مالك وهو ابن عشر سنين . واهتم بعد ذلك بقواعد اللغة العربية وكلماتها ، ورحل في سبيل ذلك إلى البادية وعاشر قبيلة (( هذيل )) عشر سنين ليتعلم من كلامها ، ويأخذ طبعها وكانت هذيل أفصح العرب ، وحفظ الإمام الشافعي أشعار هذيل وأخبارها ..
وكان يتعلم الرَّحي بجوار العلم حتى إنه كان يرمي عشرة سهام ، فلا يخطئ في سهم منها ..
وقد انصرف إلى تعلم الفقه حتى بلغ فيه مبلغه ، وقد رويت أربع روايات في تعلمه الفقه ..
الرواية الأولى : أنه كان يسير يومياً على دابة له وهو ناشئ ، وخلفه كاتب لعبد الله الزبيري ، فتمثل الشافعي ببيت من الشعر فقرعه الكاتب بسوطه كالناصح وقال له : مثلك من يذهب بمروءته في مثل هذا؟ أين أنت من الفقه؟ فأثر فيه كلامه وسارع بمجالسة مسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة وتلقى عنه ..
الرواية الثانية : أنه التقى وهو في طريقه إلى طلب النحو والأدب بمسلم ، فقال للشافعي : من أين أنت؟ قال : من أهل مكة ، قال : أين منزلك؟ فقال : بشعب الخيف .. قال : من أي قبيلة أنت؟ فأجاب الشافعي : من عبد مناف . قال مسلم : بخ بخ ، لقد شرّفك الله في الدنيا والآخرة ، إلا جعلت فهمك هذا الفقه فكان أحسن لك؟
الرواية الثالثة : أن الشافعي كان ينظر في الشعر ، وارتقى عقبة بمنى ، وإذا صوت من خلفه يقول له : عليك بالفقه فاتجه إليه ، وأغلب الظن أن هذه الرواية أقرب إلى التخيل منها إلى الواقع ..
الرواية الرابعة : أن مصعب بن عبد الله بن الزبير التقى بالشافعي وهو مجتهد في طلب الشعر والنحو ، فقال له إلى كم هذا؟ لو طلبت الحديث والفقه كان أمثل بك ، وانصرف به مصعب إلى مالك بن أنس وأوصاه به ، فما ترك عند مالك إلا الأقل ، ولا ترك شيئا عند مشايخ المدينة إلى جمعه ، وذهب إلى العراق فانقطع إلى محمد بن الحسن وأخذ منه ، ثم جاء إلى المدينة ..
ومهما كان من روايات فالحاصل أن الله تبارك وتعالى قد هيأ الإمام الشافعي من نبهه على تعلم الفقه وأنه أهم من اللغة والأدب ..
وهكذا ظلّ الإمام الشافعي يجالس العلماء في مختلف العلوم ، وكان لشدة فقره يجمع العظام التي يستطيع الكتابة عليها ليكتب مذكراته التي يتلقاها من العلماء ، وكان يذهب إلى دواوين الحكومة ويتلقط القصاصات من تحت أقدام الكتبة ليكتب على ظهرها وفي المسافات الخالية من الكتاب ويقول :
العلم صيد والكتابة قيده *** قيد صيودك بالحبال الواثقه
فمن الحماقة أن تصيد غزالة ** وتتركها بين الخلائق طالقه
وذات يوم ضاق صندوق الإمام الشافعي بما يكتب عليه من قصاصات وعظام وغيرها وامتلأت حجرته حتى إنه لم يجد مكاناً يستريح فيه أو ينام ، فعزم على أن يحفظ كل ما جمعه من القصاصات والعظام حفظاً متقناً ويستغني عن كل ذلك من عظام وقصاصات ..
وكان الإمام الشافعي ذكياً بلغ ذكاؤه درجة عظيمة لدرجة أنه إذا فتح كتاباً يحفظ به شيئاً اجتهد أن يغطي بطرف كمه الصفحة الثانية مخافة أن يقع نظره عليها فيحفظها قبل أن يحفظ الصفحة التي يريدها ..
وقد كان السبب في قوة ذكائه أنه كان قوي الإيمان صادق اليقين حَسُنَ الاعتقاد ..
وعلى الرغم من قوة ذكائه وحفظه إلا أنه كان يشكو في بعض الأحيان سوء حفظه ويتهم نفسه بالتقصير ويقول :
شَكَوتُ إلى وَكيعٍ حِفظي ** فأرشَدَني إلى تَركِ المعاصي
وأخبَرَني بِأنَّ العِلمَ نورٌ ** ونورُ اللهِ لا يُهدى لِعاصي