Sherif kenzo
02-26-2008, 08:45 PM
اسمه ونسبه ومولده
مالك بن أنس هو ثاني الأئمة الأربعة في الميلاد ، فقد ولد بعد ميلاد الإمام الأول أبي حنيفة بثلاث عشرة سنة وذلك سنة ثلاث وتسعين للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ..
والإمام مالك هو إمام دار الهجرة ، وإمام أهل الحجاز وأحد تابعي التابعين ، وإليه انتهى فقه المدينة وفقهاؤها السبعة وهم سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ..
وهو الذي عاش قرابة سبعين عاماً ، في خدمة الإسلام والمسلمين ..
وكانت ولادته رضي الله عنه في عهد خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي ، وتوفي في عهد هارون الرشيد العباسي ، فقد شهد الإمام مالك رضي الله عنه ما شهد من دولتي الأمويين والعباسيين وما حدث بينهما من صراع وقتال ، وما ثار في المجتمع من ثقافات عربية وفارسية وهندية ..
وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن غنيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، وهو من حلفاء بني تيم بن مرة ..
وكان جده الثاني (( أبو عامر بن عمروا )) من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشهد معه الغزوات كلها إلا بدراً ..
وكان جده الأول (( مالك بن أبي عامر )) من كبار التابعين ، وكنيته أبو أنس ..
ووالده أنس كان نبّالاً أي يصنع النبال في مكانه الذي عاش فيه وهو (( ذي المروة )) وهو مكان كالواحة في الصحراء شمالي المدينة المنورة ، ولم يكن لأنس اشتغال ظاهر بالعلم ، وإن كانت لديه رغبة طيبة فيه ..
ووالدته هي الغالية بنت شريك بن عبد الرحمن بن شريك الأزدية ، وكانت أسرة مالك تشتغل بالحديث والفتوى ..
نشأته العلمية
بدأ الإمام مالك رضي الله عنه يحفظ القرآن الكريم ولما أتم حفظه ، شرع في حفظ الحديث النبوي الشريف ، كان قوي الذاكرة يحفظ بسرعة لا يخطئ فيما يحفظه ، وكان من عادته وهو يسمع الأحاديث أن يعقد عقداً بعددها - وذلك بخيط في يده - فكلما سمع حديثاً عقد عقدة ثم يذهب بعد ذلك إلى بيته يراجع ما حفظ من أحاديث ، وذات يوم سمع من ابن شهاب ثلاثين حديثاً ، فحفظهم جميعاً إلا حديثاً واحداً ، فسارع إلى ابن شهاب يسأله عن الحديث الذي لم يحفظه فقال له ابن شهاب : ألم تكن في المجلس ؟ فأجاب مالك : بلى .
قال ابن شهاب : فما لك لم تحفظ ؟ أجاب : إنها ثلاثون ، وإنما ذهب عني واحد .. فقال ابن شهاب : لقد ذهب حفظ الناس ، ما استودعت قلبي شيئاً قط فَنَسيته ، هات ما عندك !
فراجع عليه مالك ، وأخبره ابن شهاب بالحديث الذي نسيه ! .
وقد كان الإمام مالك في بداية أمره لم يكن يريد أن يتجه إلى العلم ، وإنما كان يرغب في أن يتعلم الغناء ويجعل منه مصدر عيشه ، إلا أن أمه السيدة الشريفة العفيفة العاقلة اختارت له أن يتعلم الفقه أفضل من تعلمه الغناء وأرادت أن تبين وتثبت له أنه أهل للعلم ألبسته لباس العلماء في ذلك الوقت وقالت له : اذهب إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وكان ربيعة المعلم والأستاذ في ذلك الوقت فقالت له : اذهب إليه وتعلّم منه الأدب قبل العلم .
يقول الإمام مالك رضي الله عنه عن تلك الحادثة : نشأت وأنا غلام فأعجبني الأخذ عن المغنين ، فقالت أمي : يا بنيّ إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه ، فدع الغناء واطلب الفقه ، فتركت المغنين وتبعت الفقهاء ، فبلغ الله بي ما ترى .
ولم يكن الإمام مالك رضي الله عنه قبيح الوجه كما قالت إليه أمه ولكن كان وسيماً ، وإنما أخبرته بذلك حتى تصرفه عن الغناء لأنها تعلم جيداً عاقبة الغناء الأليمة عند الله تبارك وتعالى .
فذهب الإمام مالك إلى حلقة المعلم ربيعة مرتدياً ثياب العلماء .
وبهذا بدأ الإمام مالك وهو طفل صغير رحلته الطويلة في طلب العلم حتى صار إماماً من أئمة المسلمين الأعلام ، وبهذا قدمت إليه أمه أعظم وأغلى وأفضل هدية .
المدينة المنورة دار العلم
إن من الأسباب التي جعلت الإمام مالكاً إماماً يقدّره كل من يعرفه ، وجوده في المدينة المنورة ، مدينة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد كانت المدينة المنورة في زمن طفولة الإمام مالك تمتلئ بالعلماء التابعين الأخيار ، وكان في المدينة المنورة مدرسة لتلقي العلم مقرها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي أرجاء المسجد تنتشر الحلقات وعلى رأس كل حلقة أحد العلماء المرموقين مثل ربيعة بن أبي عبدالرحمن ، وابن هرمز ، ونافع ، وابن شهاب الزهري ، ومحمد بن المنكدر ، وجعفر الصادق بن محمد الباقر رأس آل البيت النبوي .
وكان ذلك الوقت ما زال العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام قريباً ، لذلك كانت الفتاوى باقية في الصدور ، والأحاديث النبوية محفوظة في القلوب ومروية على الألسنة ، وفقه عبدالله بن عمر وعبدالله بن مسعود وسعيد بن المسيب وما سجلوه من مسائل أو استنبطوه من أحكام لا تزال في الحلقات جيلاً بعد جيل .
لذلك كان المسلمون يثقون في علماء المدينة المنورة لأنهم تعلّموا من مدرسة النبوة ، وورثوا شمائل الصحابة وتداولوا أحكام الفقهاء وعلم التابعين الأولين ، وقد كان العلماء من الصحابة رضوان الله عليهم إذا أصدروا فتوى في أي مجال وهم في مكان آخر غير المدينة المنورة ، ورجعوا إلى المدينة المنورة ووجدوا فيها ما يخالف الفتوى التي أصدروها عادوا إلى تلك الأماكن وصححوا الفتوى التي أفتوا بها .
وهكذا ظلت المدينة المنورة معقل الدين ومناط الشريعة وموئل الفقه ودار الحديث ومجمع العلماء ، وهي البيئة التي هيأت لمالك الصغير أن يشب على العلم ويتربّى على الفقه ، وينشأ على الحديث ، ويثبت على علوم العربية كل ذلك مع جهده المتواصل وسعيه الذي لا يعرف الملل ، وجهاده ومثابرته في طلب العلم ، حتى صار إمام دار الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ثم إماماً لأكبر عدد من المسلمين .
طلبه للعلم
بدأ الإمام مالك الإقبال على طلب العلم وهو صغير السن وقد كان تلميذاً مجداًّ طموحاً رغم صغر سنه ، وقد برز هذا الجد في تحصيل العلوم عندما وبخه أبوه لتقصيره في الإجابة عن سؤال وجهه إليه .
يقول الإمام مالك عن الذي حدث مع والده : فغضبت من تقصيري وتوبيخ والدي لي على عدم إجابتي للسؤال ، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره .
وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يحاول أن يستأثر بأستاذه بمفرده ، فكان يأخذ معه تمراً يعطيه للصبيان ويقول لهم : إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا له مشغول ، وهذه حيلة عظيمة وتصرف حسن من طفل صغير ذكي يريد أن ينهل من علم ابن هرمز .
ومن شدة حرص الإمام مالك على طلب العلم والانتفاع بعلم أستاذه أنه كان يطيل الوقوف أمام باب ابن هرمز ، ويظل يمشي أمام الباب حتى يحدث حركة أمام الباب يسمعها أستاذه ، فيقول ابن هرمز لجاريته : من بالباب؟ فتذهب نحو الباب ثم تعود إليه وتقول له : إنه مالك فيقول لها (( ادعيه فذلك عالِم الناس )) .
وهذه شهادة عظيمة من أستاذه وهو صغير شهد له أنه سيكون عالماً وإماماً للناس ، وإن هذه الشهادة خرجت من لسان ابن هرمز لأنه كان متفائلاً ومعجباً بتلميذه .
ومما يدل أيضاً على حرص الإمام مالك في طلب العلم أنه كان يذهب إلى نافع مولى عبد الله بن عمر ، وكان يحاول أن يظهر حيلة من الحيل حتى ينهل من علمه ، فقد كان يقف في الشمس لفترات طويلة لا يقيه من حر شعاعها شيء حتى إذا ما ظهر نافع تابعه مالك ثم يتحين الفرصة لسؤاله والأخذ منه .
وكان لمالك أخت كانت تراه واقفاً في الشمس أمام بيت نافع ينتظر خروجه فيطلب منه العلم فكانت تشفق عليه وذات يوم أبلغت أباها بذلك فقال لها : يا بنية إنه يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن شدة حرصه أيضاً على طلب العلم أنه كان ينتظر مجيء يوم العيد فيذهب إلى أستاذه يطلب منه العلم ، وذلك لأن الناس في هذا اليوم ينشغلون بعيدهم فلا يطلبون العلم من الأساتذة ، فيخلو الجو للإمام مالك أن يظل يوماً كاملاً يأخذ العلم من أستاذه دون ما ينازعه أحد .
يروي الإمام مالك عن تحصيله للعلوم يوم العيد فيقول : شهدت العيد فقلت : هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه فسمعته يقول لجاريته : انظري من بالباب؟ فنظرت ، فسمعتها تقول : مولاك الأشقر ، مالك . فال : أدخليه ، فدخلت ، فقال : ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك ، وكأن يقول له في أدب : ما الذي جاء بك اليوم وهو يوم عيد؟ قلت : لا ، قال : هل أكلت شيئاً؟ قلت : لا ، قال : أطعام؟ قلت : لا حاجة لي فيه ، قال : فما تريد؟ قلت : تحدثني ، قال لي : هات ، فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثاً ، فقلت : زدني ، قال : حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفّاظ ، قلت : قد رويتها ، فجذب الألواح من يدي ثم قال : حدّث ، فحدّثته بها فردها إليّ وقال : قم فأنت من أوعية العلم .
كل هذه المواظبة من الإمام مالك كان يتابعها في نشاط وإقبال واجتهاد ومتعة وكان يساعده في ذلك ذكاؤه المفرط .
فالواجب علينا أن نجتهد في طلب العلم ولا نشغل أذهاننا إلا به ونقتدي بما فعل الإمام مالك لترتفع درجاتنا في الدنيا والآخرة .
واعلموا أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يفعل ..
مالك بن أنس هو ثاني الأئمة الأربعة في الميلاد ، فقد ولد بعد ميلاد الإمام الأول أبي حنيفة بثلاث عشرة سنة وذلك سنة ثلاث وتسعين للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ..
والإمام مالك هو إمام دار الهجرة ، وإمام أهل الحجاز وأحد تابعي التابعين ، وإليه انتهى فقه المدينة وفقهاؤها السبعة وهم سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث والقاسم بن محمد بن أبي بكر وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري ..
وهو الذي عاش قرابة سبعين عاماً ، في خدمة الإسلام والمسلمين ..
وكانت ولادته رضي الله عنه في عهد خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي ، وتوفي في عهد هارون الرشيد العباسي ، فقد شهد الإمام مالك رضي الله عنه ما شهد من دولتي الأمويين والعباسيين وما حدث بينهما من صراع وقتال ، وما ثار في المجتمع من ثقافات عربية وفارسية وهندية ..
وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن غنيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث ، وهو من حلفاء بني تيم بن مرة ..
وكان جده الثاني (( أبو عامر بن عمروا )) من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشهد معه الغزوات كلها إلا بدراً ..
وكان جده الأول (( مالك بن أبي عامر )) من كبار التابعين ، وكنيته أبو أنس ..
ووالده أنس كان نبّالاً أي يصنع النبال في مكانه الذي عاش فيه وهو (( ذي المروة )) وهو مكان كالواحة في الصحراء شمالي المدينة المنورة ، ولم يكن لأنس اشتغال ظاهر بالعلم ، وإن كانت لديه رغبة طيبة فيه ..
ووالدته هي الغالية بنت شريك بن عبد الرحمن بن شريك الأزدية ، وكانت أسرة مالك تشتغل بالحديث والفتوى ..
نشأته العلمية
بدأ الإمام مالك رضي الله عنه يحفظ القرآن الكريم ولما أتم حفظه ، شرع في حفظ الحديث النبوي الشريف ، كان قوي الذاكرة يحفظ بسرعة لا يخطئ فيما يحفظه ، وكان من عادته وهو يسمع الأحاديث أن يعقد عقداً بعددها - وذلك بخيط في يده - فكلما سمع حديثاً عقد عقدة ثم يذهب بعد ذلك إلى بيته يراجع ما حفظ من أحاديث ، وذات يوم سمع من ابن شهاب ثلاثين حديثاً ، فحفظهم جميعاً إلا حديثاً واحداً ، فسارع إلى ابن شهاب يسأله عن الحديث الذي لم يحفظه فقال له ابن شهاب : ألم تكن في المجلس ؟ فأجاب مالك : بلى .
قال ابن شهاب : فما لك لم تحفظ ؟ أجاب : إنها ثلاثون ، وإنما ذهب عني واحد .. فقال ابن شهاب : لقد ذهب حفظ الناس ، ما استودعت قلبي شيئاً قط فَنَسيته ، هات ما عندك !
فراجع عليه مالك ، وأخبره ابن شهاب بالحديث الذي نسيه ! .
وقد كان الإمام مالك في بداية أمره لم يكن يريد أن يتجه إلى العلم ، وإنما كان يرغب في أن يتعلم الغناء ويجعل منه مصدر عيشه ، إلا أن أمه السيدة الشريفة العفيفة العاقلة اختارت له أن يتعلم الفقه أفضل من تعلمه الغناء وأرادت أن تبين وتثبت له أنه أهل للعلم ألبسته لباس العلماء في ذلك الوقت وقالت له : اذهب إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وكان ربيعة المعلم والأستاذ في ذلك الوقت فقالت له : اذهب إليه وتعلّم منه الأدب قبل العلم .
يقول الإمام مالك رضي الله عنه عن تلك الحادثة : نشأت وأنا غلام فأعجبني الأخذ عن المغنين ، فقالت أمي : يا بنيّ إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلى غنائه ، فدع الغناء واطلب الفقه ، فتركت المغنين وتبعت الفقهاء ، فبلغ الله بي ما ترى .
ولم يكن الإمام مالك رضي الله عنه قبيح الوجه كما قالت إليه أمه ولكن كان وسيماً ، وإنما أخبرته بذلك حتى تصرفه عن الغناء لأنها تعلم جيداً عاقبة الغناء الأليمة عند الله تبارك وتعالى .
فذهب الإمام مالك إلى حلقة المعلم ربيعة مرتدياً ثياب العلماء .
وبهذا بدأ الإمام مالك وهو طفل صغير رحلته الطويلة في طلب العلم حتى صار إماماً من أئمة المسلمين الأعلام ، وبهذا قدمت إليه أمه أعظم وأغلى وأفضل هدية .
المدينة المنورة دار العلم
إن من الأسباب التي جعلت الإمام مالكاً إماماً يقدّره كل من يعرفه ، وجوده في المدينة المنورة ، مدينة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .
فقد كانت المدينة المنورة في زمن طفولة الإمام مالك تمتلئ بالعلماء التابعين الأخيار ، وكان في المدينة المنورة مدرسة لتلقي العلم مقرها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ففي أرجاء المسجد تنتشر الحلقات وعلى رأس كل حلقة أحد العلماء المرموقين مثل ربيعة بن أبي عبدالرحمن ، وابن هرمز ، ونافع ، وابن شهاب الزهري ، ومحمد بن المنكدر ، وجعفر الصادق بن محمد الباقر رأس آل البيت النبوي .
وكان ذلك الوقت ما زال العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام قريباً ، لذلك كانت الفتاوى باقية في الصدور ، والأحاديث النبوية محفوظة في القلوب ومروية على الألسنة ، وفقه عبدالله بن عمر وعبدالله بن مسعود وسعيد بن المسيب وما سجلوه من مسائل أو استنبطوه من أحكام لا تزال في الحلقات جيلاً بعد جيل .
لذلك كان المسلمون يثقون في علماء المدينة المنورة لأنهم تعلّموا من مدرسة النبوة ، وورثوا شمائل الصحابة وتداولوا أحكام الفقهاء وعلم التابعين الأولين ، وقد كان العلماء من الصحابة رضوان الله عليهم إذا أصدروا فتوى في أي مجال وهم في مكان آخر غير المدينة المنورة ، ورجعوا إلى المدينة المنورة ووجدوا فيها ما يخالف الفتوى التي أصدروها عادوا إلى تلك الأماكن وصححوا الفتوى التي أفتوا بها .
وهكذا ظلت المدينة المنورة معقل الدين ومناط الشريعة وموئل الفقه ودار الحديث ومجمع العلماء ، وهي البيئة التي هيأت لمالك الصغير أن يشب على العلم ويتربّى على الفقه ، وينشأ على الحديث ، ويثبت على علوم العربية كل ذلك مع جهده المتواصل وسعيه الذي لا يعرف الملل ، وجهاده ومثابرته في طلب العلم ، حتى صار إمام دار الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ثم إماماً لأكبر عدد من المسلمين .
طلبه للعلم
بدأ الإمام مالك الإقبال على طلب العلم وهو صغير السن وقد كان تلميذاً مجداًّ طموحاً رغم صغر سنه ، وقد برز هذا الجد في تحصيل العلوم عندما وبخه أبوه لتقصيره في الإجابة عن سؤال وجهه إليه .
يقول الإمام مالك عن الذي حدث مع والده : فغضبت من تقصيري وتوبيخ والدي لي على عدم إجابتي للسؤال ، وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين لم أخلطه بغيره .
وقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يحاول أن يستأثر بأستاذه بمفرده ، فكان يأخذ معه تمراً يعطيه للصبيان ويقول لهم : إن سألكم أحد عن الشيخ فقولوا له مشغول ، وهذه حيلة عظيمة وتصرف حسن من طفل صغير ذكي يريد أن ينهل من علم ابن هرمز .
ومن شدة حرص الإمام مالك على طلب العلم والانتفاع بعلم أستاذه أنه كان يطيل الوقوف أمام باب ابن هرمز ، ويظل يمشي أمام الباب حتى يحدث حركة أمام الباب يسمعها أستاذه ، فيقول ابن هرمز لجاريته : من بالباب؟ فتذهب نحو الباب ثم تعود إليه وتقول له : إنه مالك فيقول لها (( ادعيه فذلك عالِم الناس )) .
وهذه شهادة عظيمة من أستاذه وهو صغير شهد له أنه سيكون عالماً وإماماً للناس ، وإن هذه الشهادة خرجت من لسان ابن هرمز لأنه كان متفائلاً ومعجباً بتلميذه .
ومما يدل أيضاً على حرص الإمام مالك في طلب العلم أنه كان يذهب إلى نافع مولى عبد الله بن عمر ، وكان يحاول أن يظهر حيلة من الحيل حتى ينهل من علمه ، فقد كان يقف في الشمس لفترات طويلة لا يقيه من حر شعاعها شيء حتى إذا ما ظهر نافع تابعه مالك ثم يتحين الفرصة لسؤاله والأخذ منه .
وكان لمالك أخت كانت تراه واقفاً في الشمس أمام بيت نافع ينتظر خروجه فيطلب منه العلم فكانت تشفق عليه وذات يوم أبلغت أباها بذلك فقال لها : يا بنية إنه يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن شدة حرصه أيضاً على طلب العلم أنه كان ينتظر مجيء يوم العيد فيذهب إلى أستاذه يطلب منه العلم ، وذلك لأن الناس في هذا اليوم ينشغلون بعيدهم فلا يطلبون العلم من الأساتذة ، فيخلو الجو للإمام مالك أن يظل يوماً كاملاً يأخذ العلم من أستاذه دون ما ينازعه أحد .
يروي الإمام مالك عن تحصيله للعلوم يوم العيد فيقول : شهدت العيد فقلت : هذا يوم يخلو فيه ابن شهاب فانصرفت من المصلى حتى جلست على بابه فسمعته يقول لجاريته : انظري من بالباب؟ فنظرت ، فسمعتها تقول : مولاك الأشقر ، مالك . فال : أدخليه ، فدخلت ، فقال : ما أراك انصرفت بعد إلى منزلك ، وكأن يقول له في أدب : ما الذي جاء بك اليوم وهو يوم عيد؟ قلت : لا ، قال : هل أكلت شيئاً؟ قلت : لا ، قال : أطعام؟ قلت : لا حاجة لي فيه ، قال : فما تريد؟ قلت : تحدثني ، قال لي : هات ، فأخرجت ألواحي فحدثني بأربعين حديثاً ، فقلت : زدني ، قال : حسبك إن كنت رويت هذه الأحاديث فأنت من الحفّاظ ، قلت : قد رويتها ، فجذب الألواح من يدي ثم قال : حدّث ، فحدّثته بها فردها إليّ وقال : قم فأنت من أوعية العلم .
كل هذه المواظبة من الإمام مالك كان يتابعها في نشاط وإقبال واجتهاد ومتعة وكان يساعده في ذلك ذكاؤه المفرط .
فالواجب علينا أن نجتهد في طلب العلم ولا نشغل أذهاننا إلا به ونقتدي بما فعل الإمام مالك لترتفع درجاتنا في الدنيا والآخرة .
واعلموا أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يفعل ..