القرآن كتابى
10-25-2009, 06:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5} كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{7} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى{8} أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى{9} عَبْداً إِذَا صَلَّى{10} أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى{11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى{12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى{13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى{14} كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16} فَلْيَدْعُ نَادِيَه{17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ{18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{19} .
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ : اشرع بقراءتك مبتدأً بالبسملة ، أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم .
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ : العَلَق جمع علقة ، وهي قطعة الدم التي يصير إليها الإنسان في إحدى مراحل تخلقه في بطن أمه
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ : تأكيد للآية الأولى ، والأكرم من أسماء الله تعالى يدل على صفة الكرم.
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ : أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ : أي : علّم الإنسان الخطّ والصنائع وغيرها ممّا كان يجهله .
كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى : أي الإنسان ذو فرح وأَشَر وبطر وطغيان .
أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى : أي يحصل الطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله .
إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى: أي إلى الله المرجع والمصير فتكون المحاسبة والمجازاة .
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى : نزلت في أبي جهل لعنه الله ، فقد كان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند الكعبة .
أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى : أرأيت أيها الناهي ، إن كان محمد صلى الله عليه وسلم على الهدى والصلاح ؟
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى: أو كان محمدٌ آمراً غيره بالتقوى .
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى : ألم يعلم أبو جهل أنّ الله يراه ويسمعه ويُحصي عليه أنفاسه ؟!
كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ : أي : لئن لم يرجع عمّا هو فيه من الشقاق والعناد .
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ : أي لنَسِمَنَّ ناصيته سواداً يوم القيامة والناصية: مقدمة الرأس .
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ : أي : ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها, خاطئة في فعالها .
فَلْيَدْعُ نَادِيَه : أي فليدع قومه وعشيرته ويستنصر بهم.
سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ : الزبانية هم ملائكة العذاب وسندعوهم ليعلم من يغلب حزبُنا أم حزبُه ؟
كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ : كلّا يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على الطاعة وكثرتها .
وأكثر من السجود فإنّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .
هِدَايَةُ السُّورَةِ :
قال ابن كثير : " فأوّل شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات وهُنَّ أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ، وأنّ من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم فشرّفه وكرّمه بالعلم ، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة .
والعلم تارة يكون في الأذهان ، وتارة يكون في اللسان ، وتارة يكون في الكتابة بالبنان "
قلت : وقول ابن كثير أول شيء من القرآن هذه الآيات ، أي أول القرآن نزولاً فإنّ في صدر هذه السورة الكريمة هو أول شيء نزل من القرآن في أصحّ
قولي العلماء.
وهذه الآيات الشريفات تنويه صريح بشرف القراءة والعلم ، فإنّ أول كلمة في السورة " اقْرَأْ " ثم بعدها " الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ " عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
إذا فدينُنا الشريف وكتابُنا العزيز يوليان عناية خاصة بالقراءة والعلم ولذا امتثل أسلافنا هذه الوصية فتنافسوا في ثني الركب عند نبيهم صلى الله عليه وسلم وتنافس التابعون في التتلمذ على أيدي الصحابة رضوان الله عليهم وامتدت حلق العلم حتى عمّت أرجاء البلاد الإسلامية المترامية الأطراف وأخذ اللاحق عن السابق والمبتدئ عن المنتهي ، كما نشطت حركة التدوين ولا تزال حتى ملأت مصنفات المسلمين أرجاء المعمورة !
وفي فضل العلم آيات لا تُحصى كثرة ومنها : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } المجادلة ( 11) .
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } الزمر (9) .
وفي القرآن سورة كاملة سميت بسورة القلم . ..
فما أحرى المسلم أن يبادر إلى رفع الجهل عن نفسه بالحرص على التعلم ، والاستزادة من التفقه والانكباب على القراءة ما أمكنه ليضرب من ميراث النبوة بحظ وافر !
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) أي اقرأ يا محمد مبتدأً قراءتك باسم ربك فهو الأحق والأجدر ، بأن يبتدأ باسمه؛ لأنّه الذي خلق واختص بهذه الصفة دون غيره .
ثم بيّن المراد بالمخلوق فذكر أنّه " خَلَقَ الْإِنسَانَ " ثم بيّن من أي شيء خلقه وأنّه خلقه من " عَلَقٍ " وهو جمع " عَلَقة " وهي قطعة الدم التي تتكون من النطفة فهي إحدى مراحل تخلق الجنين وبعده يكون مضغة ، وهي قطعة اللحم إلى آخر مراحل خلق الإنسان المذكورة في أكثر من مرة ، وفي غير موضع من الكتاب العزيز !
ومن ذلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } الحج (5) .
وفي البخاري(3332)ومسلم(2643) من حديث ابن مَسْعُود – رضي الله عنه – " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله ، وأجله ، ورزقه ، وشقي أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار ) .
ثم أَعَادَ الأمر بالقراءة مرة ثانية ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) مبيناً أنّه تعالى هو صاحب الفضل في تعليم الإنسان الذي ولد جاهلاً لا يعلم شيئاً {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } النحل (78) .
وذكر الله كذلك القلم باعتباره وسيلة الكتابة وفيه تنويه بشرف العلم ، وأنّ شرفه بحسب المكتوب كما فيه الإشارة إلى أهمية الأخذ بالأسباب والوسائل المناسبة للوصول إلى المراد فإنّ الكتابة لا تكون إلا بوسيلة وهي القلم . { كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى }
وفي هذه الآيات بيان ما جُبل عليه الإنسان الكافر الفاجر من الطغيان والفساد لاسيما حال استغنائه بكثرة المال ، وها هو الواقع ماضياً وحاضراً ، شاهدٌ على صدق قول ربنا تعالى ومطابقته للواقع !
وإلا فأي شيء دَفَعَ قارون إلى الطغيان إلا كثرة أمواله وكنوزه ؟!
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} ومثله وأشدُّ منه طغيان فرعون وهامان وجنودهما !
وفي زماننا كثر المال فطغى أكثر الناس فها هم أثرياء المسلمين قد سلّطوا أموالهم في إفساد الشعوب!
فمنهم من سخّر أمواله في إنشاء المسارح والملاهي ودور السينما !
ومنهم من سخر أمواله في شراء اللاعبين بملايين الريالات بينما فقراء المسلمين يتضورون جوعاً !
وما درى هؤلاء المساكين بـ " إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى " أي المرجع والمآل والمصير فيحاسب كلاً بعمله ويسأله عن أمواله من أين اكتسبها وفيم أنفقها ؟!
ففي الترمذي(2417) عن أبي برزة الأسلمي: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه , وعن علمه فيم فعل, وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن جسمه فيم أبلاه"
وقال هذا حديث حسن صحيح
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى{9} عَبْداً إِذَا صَلَّى{10} أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى{11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى{12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى{13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى{14} كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16} فَلْيَدْعُ نَادِيَه{17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ{18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{19} .
قال ابن كثير : " نزلت في أبي جهل لعنه الله ، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت فوعظه الله – تعالى – بالتي هي أحسن أولاً فقال : (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى ) أي : فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريقة المستقيمة في فعله أو ( أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) بقوله ، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته ، ولهذا قال : ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) : أي : أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أنّ الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء .
ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً : (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ ) أي لئن لم يرجع عمّا هو فيه من الشقاقوالعناد ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) أي : لنسمنّها سواداً يوم القيامة ...
ثم نقل عن البخاري – في صحيحه – عن ابن عباس : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً يُصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لئن فعله لأخذته الملائكة "
ثم نقل عن أحمد والترمذي وابن جرير – وهذا لفظه – من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي عند المقام فمّر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ، ألم أنهك عن هذا وتوعده ؛ فأغلظ له رسول الله وانتهره ؛ فقال : يا محمد ، بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر هذه الوادي نادياً ؛ فأنزل الله :( فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) قال ابن عباس لو دعا نادية لأخذته ملائكة العذاب من ساعته . وقال الترمذي : حسن صحيح .
قُلْتُ : وهذه الآيات الكريمة ، وإن كان سبب نزولها خاصاً بما ذُكر إلا أنّ العبرة – كما هي القاعدة – بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ففيها أشد التحذير وأبلغ الوعيد لمن ينهون الناس عن عبادة ربهم ، وعمارة مساجده بالصلاة والذكر ويصدون عن دين الله بصريح العبارة ، وبطريقة مباشر أو بلسان الحال وبطرق ملتوية غير مباشرة !
وفي بعض بلاد الإسلام يمنع الشباب من ارتياد المساجد وإطلاق اللحى وتشمير الثياب ، وتمنع النساء من الحجاب والستر ، ويُجبرن على الاختلاط وغيره .
وكلّ هؤلاء يدخلون في جملة الوعيد المذكور في الآيات السابقة !!
فقد قال الله في شأن أبي جهل ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) ومعلوم بأنّ رؤية الله تعالى لخلقه عامة فلا تقتصر على أبي جهل فحسب بل هو تعالى يرى كلّ طاغوت ظالم صاد عن سبيل الله ، وسينتقم منه !
ولئن غرّ أبا جهل ناديه وجماعته وعشيرته فإنّ زبانية الجبّار أشد , وأقوى منهم والله بالمرصاد لكل أحزاب الطواغيت وكل جنود الباطل!
ولقد علمنا مصرع أبي جهل يوم بدر على يد غلامين شابين دون أن يغني " ناديه" عنه شيئاً !
وصُرِعَ قبله فرعون وهامان وقارون ، وصرع معه عُتبة وشيبة وأميه ، وصرع بعده هتلر وموسليني وماركوس فأصبحوا أثراً بعد عين ومُزّقوا كل ممزق !
( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )
وهذا الختام البديع يُوجِّه الله تعالى عبده الكريم ورسوله العظيم إلى الإعراض عن طغيان أبي جهل وعدم المبالاة بنهيه أو الالتفاف لكيده وتهديده ، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مها كان المخلوق جبّاراً في الأرض ، وليس لأحد أن يترك ما أمره الله به لقول أحد من الناس ، فالأمر أمره والنهي نهيه سبحانه لا مُعقب لحكمه ولا راد لشرعه !
وأمر آخر فإنّ الأمر بالسجود وقرنه بالاقتراب من الله لما في السجود من كمال الذُّل والخصوع لملك الملوك وربّ الأرباب سبحانه وهو ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين ، فإنّ شرف المؤمن زيادة ونقصاً متعلق بمقدار خضوعه لمولاه كثرة وقلة ..
ولذا شتان بين عبادة المخبتين الخاشعين المعظمين لربهم وبين عبادة المُترفين والمُنعّمين .
وإنك لترى الاثنين واقفين في الصف وبينهما من الخشوع ولذة العبادة والإقبال على الله كما بين المشرق والمغرب !!
ثم أخيراً فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى مسلم(482) من حديث أبي هريرة : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ؛ فأكثروا الدعاء "
فمن أراد القرب من الرحمن الرحيم ، الكريم الجليل فليكثر من السجدات وليسكب فيهن العبارات !!
:Wfakom Allah:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ{1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ{2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ{3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ{4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ{5} كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{6} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{7} إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى{8} أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى{9} عَبْداً إِذَا صَلَّى{10} أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى{11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى{12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى{13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى{14} كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16} فَلْيَدْعُ نَادِيَه{17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ{18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{19} .
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ : اشرع بقراءتك مبتدأً بالبسملة ، أي: قل: بسم الله الرحمن الرحيم .
خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ : العَلَق جمع علقة ، وهي قطعة الدم التي يصير إليها الإنسان في إحدى مراحل تخلقه في بطن أمه
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ : تأكيد للآية الأولى ، والأكرم من أسماء الله تعالى يدل على صفة الكرم.
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ : أي علّم الإنسان الكتابة بالقلم
عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ : أي : علّم الإنسان الخطّ والصنائع وغيرها ممّا كان يجهله .
كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى : أي الإنسان ذو فرح وأَشَر وبطر وطغيان .
أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى : أي يحصل الطغيان إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله .
إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى: أي إلى الله المرجع والمصير فتكون المحاسبة والمجازاة .
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى : نزلت في أبي جهل لعنه الله ، فقد كان ينهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند الكعبة .
أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى : أرأيت أيها الناهي ، إن كان محمد صلى الله عليه وسلم على الهدى والصلاح ؟
أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى: أو كان محمدٌ آمراً غيره بالتقوى .
أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى : ألم يعلم أبو جهل أنّ الله يراه ويسمعه ويُحصي عليه أنفاسه ؟!
كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ : أي : لئن لم يرجع عمّا هو فيه من الشقاق والعناد .
لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ : أي لنَسِمَنَّ ناصيته سواداً يوم القيامة والناصية: مقدمة الرأس .
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ : أي : ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها, خاطئة في فعالها .
فَلْيَدْعُ نَادِيَه : أي فليدع قومه وعشيرته ويستنصر بهم.
سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ : الزبانية هم ملائكة العذاب وسندعوهم ليعلم من يغلب حزبُنا أم حزبُه ؟
كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ : كلّا يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه من المداومة على الطاعة وكثرتها .
وأكثر من السجود فإنّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .
هِدَايَةُ السُّورَةِ :
قال ابن كثير : " فأوّل شيء من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات وهُنَّ أول رحمة رحم الله بها العباد ، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم ، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة ، وأنّ من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم فشرّفه وكرّمه بالعلم ، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة .
والعلم تارة يكون في الأذهان ، وتارة يكون في اللسان ، وتارة يكون في الكتابة بالبنان "
قلت : وقول ابن كثير أول شيء من القرآن هذه الآيات ، أي أول القرآن نزولاً فإنّ في صدر هذه السورة الكريمة هو أول شيء نزل من القرآن في أصحّ
قولي العلماء.
وهذه الآيات الشريفات تنويه صريح بشرف القراءة والعلم ، فإنّ أول كلمة في السورة " اقْرَأْ " ثم بعدها " الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ " عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
إذا فدينُنا الشريف وكتابُنا العزيز يوليان عناية خاصة بالقراءة والعلم ولذا امتثل أسلافنا هذه الوصية فتنافسوا في ثني الركب عند نبيهم صلى الله عليه وسلم وتنافس التابعون في التتلمذ على أيدي الصحابة رضوان الله عليهم وامتدت حلق العلم حتى عمّت أرجاء البلاد الإسلامية المترامية الأطراف وأخذ اللاحق عن السابق والمبتدئ عن المنتهي ، كما نشطت حركة التدوين ولا تزال حتى ملأت مصنفات المسلمين أرجاء المعمورة !
وفي فضل العلم آيات لا تُحصى كثرة ومنها : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } المجادلة ( 11) .
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } الزمر (9) .
وفي القرآن سورة كاملة سميت بسورة القلم . ..
فما أحرى المسلم أن يبادر إلى رفع الجهل عن نفسه بالحرص على التعلم ، والاستزادة من التفقه والانكباب على القراءة ما أمكنه ليضرب من ميراث النبوة بحظ وافر !
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) أي اقرأ يا محمد مبتدأً قراءتك باسم ربك فهو الأحق والأجدر ، بأن يبتدأ باسمه؛ لأنّه الذي خلق واختص بهذه الصفة دون غيره .
ثم بيّن المراد بالمخلوق فذكر أنّه " خَلَقَ الْإِنسَانَ " ثم بيّن من أي شيء خلقه وأنّه خلقه من " عَلَقٍ " وهو جمع " عَلَقة " وهي قطعة الدم التي تتكون من النطفة فهي إحدى مراحل تخلق الجنين وبعده يكون مضغة ، وهي قطعة اللحم إلى آخر مراحل خلق الإنسان المذكورة في أكثر من مرة ، وفي غير موضع من الكتاب العزيز !
ومن ذلك {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } الحج (5) .
وفي البخاري(3332)ومسلم(2643) من حديث ابن مَسْعُود – رضي الله عنه – " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : ( إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات ، فيكتب عمله ، وأجله ، ورزقه ، وشقي أم سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة . وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار ، فيدخل النار ) .
ثم أَعَادَ الأمر بالقراءة مرة ثانية ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) مبيناً أنّه تعالى هو صاحب الفضل في تعليم الإنسان الذي ولد جاهلاً لا يعلم شيئاً {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } النحل (78) .
وذكر الله كذلك القلم باعتباره وسيلة الكتابة وفيه تنويه بشرف العلم ، وأنّ شرفه بحسب المكتوب كما فيه الإشارة إلى أهمية الأخذ بالأسباب والوسائل المناسبة للوصول إلى المراد فإنّ الكتابة لا تكون إلا بوسيلة وهي القلم . { كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى }
وفي هذه الآيات بيان ما جُبل عليه الإنسان الكافر الفاجر من الطغيان والفساد لاسيما حال استغنائه بكثرة المال ، وها هو الواقع ماضياً وحاضراً ، شاهدٌ على صدق قول ربنا تعالى ومطابقته للواقع !
وإلا فأي شيء دَفَعَ قارون إلى الطغيان إلا كثرة أمواله وكنوزه ؟!
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} ومثله وأشدُّ منه طغيان فرعون وهامان وجنودهما !
وفي زماننا كثر المال فطغى أكثر الناس فها هم أثرياء المسلمين قد سلّطوا أموالهم في إفساد الشعوب!
فمنهم من سخّر أمواله في إنشاء المسارح والملاهي ودور السينما !
ومنهم من سخر أمواله في شراء اللاعبين بملايين الريالات بينما فقراء المسلمين يتضورون جوعاً !
وما درى هؤلاء المساكين بـ " إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى " أي المرجع والمآل والمصير فيحاسب كلاً بعمله ويسأله عن أمواله من أين اكتسبها وفيم أنفقها ؟!
ففي الترمذي(2417) عن أبي برزة الأسلمي: " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه , وعن علمه فيم فعل, وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه, وعن جسمه فيم أبلاه"
وقال هذا حديث حسن صحيح
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى{9} عَبْداً إِذَا صَلَّى{10} أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى{11} أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى{12} أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى{13} أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى{14} كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ{15} نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ{16} فَلْيَدْعُ نَادِيَه{17} سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ{18} كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ{19} .
قال ابن كثير : " نزلت في أبي جهل لعنه الله ، توعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عند البيت فوعظه الله – تعالى – بالتي هي أحسن أولاً فقال : (أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى ) أي : فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريقة المستقيمة في فعله أو ( أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ) بقوله ، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته ، ولهذا قال : ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) : أي : أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أنّ الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء .
ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً : (كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ ) أي لئن لم يرجع عمّا هو فيه من الشقاقوالعناد ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) أي : لنسمنّها سواداً يوم القيامة ...
ثم نقل عن البخاري – في صحيحه – عن ابن عباس : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً يُصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لئن فعله لأخذته الملائكة "
ثم نقل عن أحمد والترمذي وابن جرير – وهذا لفظه – من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلي عند المقام فمّر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ، ألم أنهك عن هذا وتوعده ؛ فأغلظ له رسول الله وانتهره ؛ فقال : يا محمد ، بأي شيء تهددني ؟ أما والله إني لأكثر هذه الوادي نادياً ؛ فأنزل الله :( فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) قال ابن عباس لو دعا نادية لأخذته ملائكة العذاب من ساعته . وقال الترمذي : حسن صحيح .
قُلْتُ : وهذه الآيات الكريمة ، وإن كان سبب نزولها خاصاً بما ذُكر إلا أنّ العبرة – كما هي القاعدة – بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ففيها أشد التحذير وأبلغ الوعيد لمن ينهون الناس عن عبادة ربهم ، وعمارة مساجده بالصلاة والذكر ويصدون عن دين الله بصريح العبارة ، وبطريقة مباشر أو بلسان الحال وبطرق ملتوية غير مباشرة !
وفي بعض بلاد الإسلام يمنع الشباب من ارتياد المساجد وإطلاق اللحى وتشمير الثياب ، وتمنع النساء من الحجاب والستر ، ويُجبرن على الاختلاط وغيره .
وكلّ هؤلاء يدخلون في جملة الوعيد المذكور في الآيات السابقة !!
فقد قال الله في شأن أبي جهل ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) ومعلوم بأنّ رؤية الله تعالى لخلقه عامة فلا تقتصر على أبي جهل فحسب بل هو تعالى يرى كلّ طاغوت ظالم صاد عن سبيل الله ، وسينتقم منه !
ولئن غرّ أبا جهل ناديه وجماعته وعشيرته فإنّ زبانية الجبّار أشد , وأقوى منهم والله بالمرصاد لكل أحزاب الطواغيت وكل جنود الباطل!
ولقد علمنا مصرع أبي جهل يوم بدر على يد غلامين شابين دون أن يغني " ناديه" عنه شيئاً !
وصُرِعَ قبله فرعون وهامان وقارون ، وصرع معه عُتبة وشيبة وأميه ، وصرع بعده هتلر وموسليني وماركوس فأصبحوا أثراً بعد عين ومُزّقوا كل ممزق !
( كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ )
وهذا الختام البديع يُوجِّه الله تعالى عبده الكريم ورسوله العظيم إلى الإعراض عن طغيان أبي جهل وعدم المبالاة بنهيه أو الالتفاف لكيده وتهديده ، فإنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق مها كان المخلوق جبّاراً في الأرض ، وليس لأحد أن يترك ما أمره الله به لقول أحد من الناس ، فالأمر أمره والنهي نهيه سبحانه لا مُعقب لحكمه ولا راد لشرعه !
وأمر آخر فإنّ الأمر بالسجود وقرنه بالاقتراب من الله لما في السجود من كمال الذُّل والخصوع لملك الملوك وربّ الأرباب سبحانه وهو ما ينبغي أن يكون عليه حال المؤمنين ، فإنّ شرف المؤمن زيادة ونقصاً متعلق بمقدار خضوعه لمولاه كثرة وقلة ..
ولذا شتان بين عبادة المخبتين الخاشعين المعظمين لربهم وبين عبادة المُترفين والمُنعّمين .
وإنك لترى الاثنين واقفين في الصف وبينهما من الخشوع ولذة العبادة والإقبال على الله كما بين المشرق والمغرب !!
ثم أخيراً فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى مسلم(482) من حديث أبي هريرة : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ؛ فأكثروا الدعاء "
فمن أراد القرب من الرحمن الرحيم ، الكريم الجليل فليكثر من السجدات وليسكب فيهن العبارات !!
:Wfakom Allah: