Sherif kenzo
02-26-2008, 08:59 PM
اسمه ونسبه ومولده
هو النعمان بن ثابت بن المرزُبان بن زوطي التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة ، يقال أنه من أبناء فارس الأحرار ، ينتسب إلى أسرة شريفة في قومه ، أصله من كابل _ عاصمة أفغانستان حالياً _ أسلم جده المرزبان أيام خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتحول إلى الكوفة واتخذها مسكنا له ..
ولد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمانين من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وكان مولده بالكوفة في أيام الخليفة عبد الملك بن مروان ، وكان مولده رضي الله عنه في حياة جماعة من الصحابة الأطهار رضي الله عنهم أجمعين ..
فقد روي أن الإمام أبا حنيفة رأى سيدنا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وقيل : إن معنى النعمان _ الدم أو الروح _ وبهذا يكون اتفاقاً حسناً لأن الإمام أبا حنيفة روح الفقه وقوامه ومنه منشؤه ونظامه ..
كنيته : أبو حنيفة (( مؤنث حنيف )) وهو الناسك أو المسلم ، لأن الحنيف هو المائل إلى الدين الحق ..
وقيل : إن سبب كنية الإمام بذلك أنه كان ملازماً لصحبة الدواه وحنيفة (( بلغة العراق )) الدواه فكني بها ..
صفته
كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه من أحسن وأبهى الناس صورة ، وأجملهم بلاغة ، وأحلاهم نغمة ، وأكملهم إيراداً ، وأبينهم لما يريد ..
وكان حسن الوجه حسن اللحية حسن الهيئة والثبات ، وكان أيضاً حسن المجلس ، فكان لا يُمَلُّ جلوسه ، فمَن جلس بجواره أطال الجلوس لعذوبة منطقه ، وترتيب ألفاظه وسحر كلامه ، وكان حسن السمت ، هيوباً كريماً شديد الكرم ، وكان كثير المواساة لإخوانه ، وكان لا يترك صغيرا ولا كبيرا إلا زاره ، وكان محبوباً لدى الناس مشتهراً بينهم بالعلم والدين والأخلاق الحميدة ، وكان كثير التعطُّر ، حتى قيل أنه إذا خرج من بيته يُعرف بريح المسك الذي يضعه على ثيابه قبل أن يراه الناس ..
وهو من أصل : عربي فهو عربي المولد والنشأة ، وجدوده من فارس ، ولكن الدين الإسلامي دين لا يفرّق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ..
قال الله تعالى : (( إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم )) [ الحجرات : 13 ] ..
وقد قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع : (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا بعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى )) ..
فإذا كان الإمام أبو حنيفة من أصلي عربي أو غير عربي فيكفيه أنه إمام وفقيه وعالم متحدّث ، إلى غير ذلك من الصفات العظيمة التي كانت فيه ..
نشأته العلمية
لقد نشأ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بالكوفة ، في أحضان أسرة اشتهرت بالإسلام والصلاح والتقوى والزهد والورع ، وكانت هذه الأسرة كريمة ، فكان أبوه خرازاً يبيع الأثواب في دكان له بالكوفة ، وكان أبو حنيفة رضي الله عنه من الذين قد حفظوا القرآن الكريم في الصغر شأنه شأن أقرانه من ذوي النباهة والصلاح ..
ونشأ أبو حنيفة رضي الله عنه النشأة العلمية الرفيعة التي جعلت له مكانة عظيمة بين فقهاء المسلمين وذلك في فترة من الزمان كثر فيها عظماء العلماء من ناحية ، وازدحمت فيها من ناحية أخرى أصحاب الأهواء والمقالات الذين حاولوا اللعب بالعقيدة الإسلامية حتى يصلوا بها إلى طريق غير الطريق المرسوم لها ، ويحولوها عن أصولها ..
فاشتهر الإمام أبو حنيفة في ذلك الزمن وأصبحت له مكانة سامية بين كل الناس إلى عصرنا الحالي وستظل ..
طلبه للعلم
لم يتفرغ الإمام أبو حنيفة منذ الصغر للعلم كما تفرغ الأئمة الآخرون الذين طلبوا العلم منذ الصغر كالإمام مالك والشافعي وأحمد ، ولكنه كان مهتماً منذ صغره بالتردد على السوق وممارسته للتجارة ، ثم حدث أن تحول من التجارة إلى طلب العلم والتبحر فيه ، وإن الذي جعله يطلب العلم ويجدّ في تحصيله هو الشَّشعبي العالم الفقيه المحدّث . فقد نظر إلى الإمام أبو حنيفة فوجده ذا فطنة عالية وعبقرية عظيمة ، فحبّب إليه طلب العلم ونصحه إلى ذلك .
يحدّث الإمام أبو حنيفة عن ذلك فيقول :
(( مررت يوماً على الشعبي وهو جالس فدعاني ، فقال لي : إلى من تختلف؟ قلت : أختلف إلى السوق ، قال : لم أعنِ الاختلاف إلى السوق ، عنيت الاختلاف إلى العلماء , فقلت له : أنا قليل الاختلاف إليهم ، فقال لي : لا تغفل ، وعليك النظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وحركة ، فيقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه : فوقع في قلبي قوله ، فتركت الاختلاف إلى السوق وأخذت في طلب العلم فنفعني الله به )) .
ويذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه إلى حلقات العلماء ومجالس الشيوخ في مجالاتٍِ شتى من العلوم ، ويأخذ من كل منها بطرف حتى نبغ في علوم كثيرة وبذلك كوّن لنفسه قاعدة فكرية في المعارف العامة ، حتى أراد أن يتخصص في علم من العلوم يجيده وينبُغ فيه ويهيئ لنفسه من خلاله مكانة مرموقة ومقاماً سوياً ، ولكن ما المجال الذي يريد أن يتخصص فيه إمام عصره ومحدّث زمانه الإمام الفقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه ..
هذا ما نود أن نطلعكم عليه أحبائي في الله فيما يلي
تخصصه في مجال الفقه
ظل الإمام أبو حنيفة يسأل نفسه عن أي مجال من مجالات العلم يريد أن يتخصص فيه حتى يختاره ليبدأ في دراسته والتعمُّق فيه ، فطرح المجالات كلها أمام عينيه وراح يتخير لنفسه ، وذلك كمن وضع أمامه طبقاً من التفاح ، وآخر من المانجو ، وثالث من الرمان ، ورابع فيه فواكه متعددة ، وظلّ يتخير منها ما يطيب لنفسه ويناسب مذاقه حتى وقع اختيار الإمام أبي حنيفة على مجال الفقه .
يقول الإمام أبو حنيفة وهو يحدّث تلاميذه عن ذلك : لما أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم وأسأل عن عواقبها ، فقيل لي : تعلم القرآن ، فقلت : إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره ؟ قالوا : تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ ، فتذهب رياستك .
قلت : فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني ؟ قالوا : إذا كبرت وضعفت حدّثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك ، فقلت : لا حاجة لي في هذا .
ثم قلت : أتعلّم النحو ، فقلت : إذا حفظت النحو والعربي ما يكون آخر أمري ؟ قالوا : تقعد معلماً ، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة ، وهذا لا عاقبة له ، قلت : فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ما يكون من أمري ؟ قالوا : تمدح هذا فيهب لك ، أو يحملك على دابة ، أو يخلع عليك خلعة ، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات ، قلت : لا حاجة لي في هذا ، قلت : فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره ؟ قالوا : لا يسلم من ينظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة ، فإما أن تؤخذ فتُقتل ، وإما أن تسلم فتكون مذموماً ملوماً .. فقلت : فإن تعلمت الفقه ؟ قالوا : تسأل وتفتي الناس ، وتُطلب للقضاء وإن كنت شاباً .. قلت : ليس في العلوم شيء أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته .
وهكذا رسم الإمام أبو حنيفة لنفسه طريق العلم الذي ارتضاه وأحس في قرارة نفسه أنه قادر على أن ينفع به وينتفع منه ، حتى صار إماماً يلقب بالإمام الأعظم الذي لم يشاركه به أحد من سائر الأئمة ..
شيوخه وأساتذته
لقد اختار الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه المجال الذي ارتضاه لنفسه وهو الآن يختار شيوخه وأساتذته الذين يأخذ العلم عنهم .
فلقد رأى رضي الله عنه أنس بن مالك الصحابي الجليل حين كان يزور الكوفة ، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار ، وحماد بن أبي سليمان ، والهيثم بن حبيب الصواف ، وقيَّس بن مسلم ، ومحمد بن المنكدر ، ونافع مولى عبدالله بن عمر ، وهشام بن عروة ، ويزيد بن الفقير ، وسماك بن حرب ، وعلقمة بن مرثد ، وعطية العوفي ، وعبدالعزيز بن رفيع ، وعبدالكريم أبا أمية .
كما جالس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أربعة من كبار أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهروا بين الناس بالعلم الغزير والأدب الكبير .
فقد تتلمذ على يد الإمام زيد بن علي بن العابدين الذي استشهد في أيام هشام بن عبدالملك سنة 122هـ كما تتلمذ على يد محمد بن علي أخي زيد بن علي وتتلمذ على يد الإمام جعفر بن محمد المشهور بجعفر الصادق ، وتتلمذ على يد عبدالله بن الحسن بن الحسن .
وهؤلاء جميعاً من صفوة علماء المسلمين ، كانوا أساتذة لأبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه .
أما الشيخ الذي انقطع له الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت فهو الشيخ حماد بن أبي سليمان . فلقد صحبه أبو حنيفة ثماني عشرة سنة كاملة .
فقد رأى الشيخ حماد في أبي حنيفة قوة في الحفظ وإقبالاً على الدرس ، لذا ميّزه الشيخ حماد على رفاقه حيث قال : لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي إلا أبي حنيفة ، يقول الإمام : فصحبته عشر سنين ، ثم نازعني نفسي لطلب الرياسة فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي ، فخرجت يوماً عازماً على ذلك فلما دخلت المسجد ورأيته لم تطب نفسي أن أعتزله حتى جاءه في ليلة من الليالي نعي قريب له بالبصرة وهو الوريث الوحيد لقريبه فطلب مني أن أجلس مكانه في الحلقة أديرها ففعلت ومكثت شهرين ووردت علي مسائل لم أكن أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابي فلما قدم عرضت عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة فقلت في نفسي لا أفارقه حتى يموت ، فلم أفارقه حتى مات ..
ويقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه :
دخلت على أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين فقال لي : يا أبا حنيفة ، عن مَن أخذت العلم؟ قلت : عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عباس ، فقال أبو جعفر : بخ بخ ، استوثقت من شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين صلوات الله عليهم .
فقد كان المنصور خبيراً بمعادن الأئمة والعلماء الذين ذكرهم أبو حنيفة رضي الله عنه مصدراً لعلمه ، وقد كان المنصور فقيهاً ومحدّثاً قبل أن يتولى أمر الخلافة وهو الذي طلب من الإمام مالك رضي الله عنه أن يجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فجمعه في كتاب الموطأ ..
وقد كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه باراًّ بأساتذته وفياً لهم فلما مات أستاذه حماد قال أبو حنيفة : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علّمته علماً .
وقال : ما مددت رجلي نحو دار حماد إجلالاً له وكان بين داري وداره سبع سكك .
نعمان كان أبرَّ الناس كلهم
بوالديه وبالأستاذ حماد
قد كان يدعو له ما عاش مجتهداً
شائي بذا كل محمود وحماد
وكان يفتح بالحماد دعوته
ولا يحابى لآباء وأولاد
أبو الإفادة أولى بالدابة من
أبي الولادة عند الواحد الهادي
ما مد رجليه يوماً نحو منزله
ودونه سكك سبع كأطراد
ولم يكتفِ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بشيوخه وأساتذته هؤلاء بل كان عدد شيوخه أربعة آلاف شيخ ولا عجب في ذلك فقد عاش سبعين سنة وحجّ خمساً وخمسين مرة ، وكان موسم الحج يجمع علماء العالم الإسلامي في الحرمين الشريفين ، وكان يلتقي بهؤلاء العلماء جميعاً ويأخذ من علمهم ..
هو النعمان بن ثابت بن المرزُبان بن زوطي التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة ، يقال أنه من أبناء فارس الأحرار ، ينتسب إلى أسرة شريفة في قومه ، أصله من كابل _ عاصمة أفغانستان حالياً _ أسلم جده المرزبان أيام خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتحول إلى الكوفة واتخذها مسكنا له ..
ولد الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت سنة ثمانين من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وكان مولده بالكوفة في أيام الخليفة عبد الملك بن مروان ، وكان مولده رضي الله عنه في حياة جماعة من الصحابة الأطهار رضي الله عنهم أجمعين ..
فقد روي أن الإمام أبا حنيفة رأى سيدنا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
وقيل : إن معنى النعمان _ الدم أو الروح _ وبهذا يكون اتفاقاً حسناً لأن الإمام أبا حنيفة روح الفقه وقوامه ومنه منشؤه ونظامه ..
كنيته : أبو حنيفة (( مؤنث حنيف )) وهو الناسك أو المسلم ، لأن الحنيف هو المائل إلى الدين الحق ..
وقيل : إن سبب كنية الإمام بذلك أنه كان ملازماً لصحبة الدواه وحنيفة (( بلغة العراق )) الدواه فكني بها ..
صفته
كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه من أحسن وأبهى الناس صورة ، وأجملهم بلاغة ، وأحلاهم نغمة ، وأكملهم إيراداً ، وأبينهم لما يريد ..
وكان حسن الوجه حسن اللحية حسن الهيئة والثبات ، وكان أيضاً حسن المجلس ، فكان لا يُمَلُّ جلوسه ، فمَن جلس بجواره أطال الجلوس لعذوبة منطقه ، وترتيب ألفاظه وسحر كلامه ، وكان حسن السمت ، هيوباً كريماً شديد الكرم ، وكان كثير المواساة لإخوانه ، وكان لا يترك صغيرا ولا كبيرا إلا زاره ، وكان محبوباً لدى الناس مشتهراً بينهم بالعلم والدين والأخلاق الحميدة ، وكان كثير التعطُّر ، حتى قيل أنه إذا خرج من بيته يُعرف بريح المسك الذي يضعه على ثيابه قبل أن يراه الناس ..
وهو من أصل : عربي فهو عربي المولد والنشأة ، وجدوده من فارس ، ولكن الدين الإسلامي دين لا يفرّق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ..
قال الله تعالى : (( إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم )) [ الحجرات : 13 ] ..
وقد قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع : (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا بعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى )) ..
فإذا كان الإمام أبو حنيفة من أصلي عربي أو غير عربي فيكفيه أنه إمام وفقيه وعالم متحدّث ، إلى غير ذلك من الصفات العظيمة التي كانت فيه ..
نشأته العلمية
لقد نشأ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بالكوفة ، في أحضان أسرة اشتهرت بالإسلام والصلاح والتقوى والزهد والورع ، وكانت هذه الأسرة كريمة ، فكان أبوه خرازاً يبيع الأثواب في دكان له بالكوفة ، وكان أبو حنيفة رضي الله عنه من الذين قد حفظوا القرآن الكريم في الصغر شأنه شأن أقرانه من ذوي النباهة والصلاح ..
ونشأ أبو حنيفة رضي الله عنه النشأة العلمية الرفيعة التي جعلت له مكانة عظيمة بين فقهاء المسلمين وذلك في فترة من الزمان كثر فيها عظماء العلماء من ناحية ، وازدحمت فيها من ناحية أخرى أصحاب الأهواء والمقالات الذين حاولوا اللعب بالعقيدة الإسلامية حتى يصلوا بها إلى طريق غير الطريق المرسوم لها ، ويحولوها عن أصولها ..
فاشتهر الإمام أبو حنيفة في ذلك الزمن وأصبحت له مكانة سامية بين كل الناس إلى عصرنا الحالي وستظل ..
طلبه للعلم
لم يتفرغ الإمام أبو حنيفة منذ الصغر للعلم كما تفرغ الأئمة الآخرون الذين طلبوا العلم منذ الصغر كالإمام مالك والشافعي وأحمد ، ولكنه كان مهتماً منذ صغره بالتردد على السوق وممارسته للتجارة ، ثم حدث أن تحول من التجارة إلى طلب العلم والتبحر فيه ، وإن الذي جعله يطلب العلم ويجدّ في تحصيله هو الشَّشعبي العالم الفقيه المحدّث . فقد نظر إلى الإمام أبو حنيفة فوجده ذا فطنة عالية وعبقرية عظيمة ، فحبّب إليه طلب العلم ونصحه إلى ذلك .
يحدّث الإمام أبو حنيفة عن ذلك فيقول :
(( مررت يوماً على الشعبي وهو جالس فدعاني ، فقال لي : إلى من تختلف؟ قلت : أختلف إلى السوق ، قال : لم أعنِ الاختلاف إلى السوق ، عنيت الاختلاف إلى العلماء , فقلت له : أنا قليل الاختلاف إليهم ، فقال لي : لا تغفل ، وعليك النظر في العلم ومجالسة العلماء فإني أرى فيك يقظة وحركة ، فيقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه : فوقع في قلبي قوله ، فتركت الاختلاف إلى السوق وأخذت في طلب العلم فنفعني الله به )) .
ويذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه إلى حلقات العلماء ومجالس الشيوخ في مجالاتٍِ شتى من العلوم ، ويأخذ من كل منها بطرف حتى نبغ في علوم كثيرة وبذلك كوّن لنفسه قاعدة فكرية في المعارف العامة ، حتى أراد أن يتخصص في علم من العلوم يجيده وينبُغ فيه ويهيئ لنفسه من خلاله مكانة مرموقة ومقاماً سوياً ، ولكن ما المجال الذي يريد أن يتخصص فيه إمام عصره ومحدّث زمانه الإمام الفقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه ..
هذا ما نود أن نطلعكم عليه أحبائي في الله فيما يلي
تخصصه في مجال الفقه
ظل الإمام أبو حنيفة يسأل نفسه عن أي مجال من مجالات العلم يريد أن يتخصص فيه حتى يختاره ليبدأ في دراسته والتعمُّق فيه ، فطرح المجالات كلها أمام عينيه وراح يتخير لنفسه ، وذلك كمن وضع أمامه طبقاً من التفاح ، وآخر من المانجو ، وثالث من الرمان ، ورابع فيه فواكه متعددة ، وظلّ يتخير منها ما يطيب لنفسه ويناسب مذاقه حتى وقع اختيار الإمام أبي حنيفة على مجال الفقه .
يقول الإمام أبو حنيفة وهو يحدّث تلاميذه عن ذلك : لما أردت طلب العلم جعلت أتخيّر العلوم وأسأل عن عواقبها ، فقيل لي : تعلم القرآن ، فقلت : إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره ؟ قالوا : تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ ، فتذهب رياستك .
قلت : فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني ؟ قالوا : إذا كبرت وضعفت حدّثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان ، ثم لا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عاراً عليك في عقبك ، فقلت : لا حاجة لي في هذا .
ثم قلت : أتعلّم النحو ، فقلت : إذا حفظت النحو والعربي ما يكون آخر أمري ؟ قالوا : تقعد معلماً ، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة ، وهذا لا عاقبة له ، قلت : فإن نظرت في الشعر فلم يكن أحد أشعر مني ما يكون من أمري ؟ قالوا : تمدح هذا فيهب لك ، أو يحملك على دابة ، أو يخلع عليك خلعة ، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات ، قلت : لا حاجة لي في هذا ، قلت : فإن نظرت في الكلام ما يكون آخره ؟ قالوا : لا يسلم من ينظر في الكلام من مشنعات الكلام فيرمى بالزندقة ، فإما أن تؤخذ فتُقتل ، وإما أن تسلم فتكون مذموماً ملوماً .. فقلت : فإن تعلمت الفقه ؟ قالوا : تسأل وتفتي الناس ، وتُطلب للقضاء وإن كنت شاباً .. قلت : ليس في العلوم شيء أنفع من هذا فلزمت الفقه وتعلمته .
وهكذا رسم الإمام أبو حنيفة لنفسه طريق العلم الذي ارتضاه وأحس في قرارة نفسه أنه قادر على أن ينفع به وينتفع منه ، حتى صار إماماً يلقب بالإمام الأعظم الذي لم يشاركه به أحد من سائر الأئمة ..
شيوخه وأساتذته
لقد اختار الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه المجال الذي ارتضاه لنفسه وهو الآن يختار شيوخه وأساتذته الذين يأخذ العلم عنهم .
فلقد رأى رضي الله عنه أنس بن مالك الصحابي الجليل حين كان يزور الكوفة ، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحارب بن دثار ، وحماد بن أبي سليمان ، والهيثم بن حبيب الصواف ، وقيَّس بن مسلم ، ومحمد بن المنكدر ، ونافع مولى عبدالله بن عمر ، وهشام بن عروة ، ويزيد بن الفقير ، وسماك بن حرب ، وعلقمة بن مرثد ، وعطية العوفي ، وعبدالعزيز بن رفيع ، وعبدالكريم أبا أمية .
كما جالس الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أربعة من كبار أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتهروا بين الناس بالعلم الغزير والأدب الكبير .
فقد تتلمذ على يد الإمام زيد بن علي بن العابدين الذي استشهد في أيام هشام بن عبدالملك سنة 122هـ كما تتلمذ على يد محمد بن علي أخي زيد بن علي وتتلمذ على يد الإمام جعفر بن محمد المشهور بجعفر الصادق ، وتتلمذ على يد عبدالله بن الحسن بن الحسن .
وهؤلاء جميعاً من صفوة علماء المسلمين ، كانوا أساتذة لأبي حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه .
أما الشيخ الذي انقطع له الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت فهو الشيخ حماد بن أبي سليمان . فلقد صحبه أبو حنيفة ثماني عشرة سنة كاملة .
فقد رأى الشيخ حماد في أبي حنيفة قوة في الحفظ وإقبالاً على الدرس ، لذا ميّزه الشيخ حماد على رفاقه حيث قال : لا يجلس في صدر الحلقة بحذائي إلا أبي حنيفة ، يقول الإمام : فصحبته عشر سنين ، ثم نازعني نفسي لطلب الرياسة فأحببت أن أعتزله وأجلس في حلقة لنفسي ، فخرجت يوماً عازماً على ذلك فلما دخلت المسجد ورأيته لم تطب نفسي أن أعتزله حتى جاءه في ليلة من الليالي نعي قريب له بالبصرة وهو الوريث الوحيد لقريبه فطلب مني أن أجلس مكانه في الحلقة أديرها ففعلت ومكثت شهرين ووردت علي مسائل لم أكن أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابي فلما قدم عرضت عليه المسائل وكانت نحواً من ستين مسألة فقلت في نفسي لا أفارقه حتى يموت ، فلم أفارقه حتى مات ..
ويقول الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه :
دخلت على أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين فقال لي : يا أبا حنيفة ، عن مَن أخذت العلم؟ قلت : عن حماد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وعبدالله بن مسعود ، وعبدالله بن عباس ، فقال أبو جعفر : بخ بخ ، استوثقت من شئت يا أبا حنيفة الطيبين الطاهرين المباركين صلوات الله عليهم .
فقد كان المنصور خبيراً بمعادن الأئمة والعلماء الذين ذكرهم أبو حنيفة رضي الله عنه مصدراً لعلمه ، وقد كان المنصور فقيهاً ومحدّثاً قبل أن يتولى أمر الخلافة وهو الذي طلب من الإمام مالك رضي الله عنه أن يجمع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فجمعه في كتاب الموطأ ..
وقد كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه باراًّ بأساتذته وفياً لهم فلما مات أستاذه حماد قال أبو حنيفة : ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علماً أو علّمته علماً .
وقال : ما مددت رجلي نحو دار حماد إجلالاً له وكان بين داري وداره سبع سكك .
نعمان كان أبرَّ الناس كلهم
بوالديه وبالأستاذ حماد
قد كان يدعو له ما عاش مجتهداً
شائي بذا كل محمود وحماد
وكان يفتح بالحماد دعوته
ولا يحابى لآباء وأولاد
أبو الإفادة أولى بالدابة من
أبي الولادة عند الواحد الهادي
ما مد رجليه يوماً نحو منزله
ودونه سكك سبع كأطراد
ولم يكتفِ الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بشيوخه وأساتذته هؤلاء بل كان عدد شيوخه أربعة آلاف شيخ ولا عجب في ذلك فقد عاش سبعين سنة وحجّ خمساً وخمسين مرة ، وكان موسم الحج يجمع علماء العالم الإسلامي في الحرمين الشريفين ، وكان يلتقي بهؤلاء العلماء جميعاً ويأخذ من علمهم ..