مشاهدة النسخة كاملة : تاريخ أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة


غربة وطن
04-10-2008, 06:24 PM
تاريخ أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة

د. محمد بن حسن الجيزاني



مقدمة

إن علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة مر بثلاث مراحل رئيسة، تتمثل المرحلة الأولى في تدوين الإمام الشافعي لهذا العلم الجليل، وتتجلى المرحلة الثانية في الاتجاه الحديثي لعلم الأصول، وذلك على يد إمامين جليلين هما الخطيب البغدادي وابن عبد البر، وفي المرحلة الثالثة برز جانب الإصلاح وتقويم العوج الطارئ على علم الأصول، وكان ذلك على يد الإمامين العظيمين ابن تيمية وابن القيم. وكان لهؤلاء الأئمة الخمسة ولغيرهم من أئمة أهل السنة والجماعة جهود بارزة ومؤلفات عديدة أوضحت المنهج، ورسمت الطريق، وحددت المعالم.

وبالنظر إلى تلك الجهود وهذه المؤلفات نجد أن منها ما هو خاص بأصول الفقه، مشتمل على جملة أبحاثه، ومنها ما هو خاص في فن معين غير أصول الفقه، لكنه مشتمل على أبحاث أصولية قلَّت أو كثرت.

وعند النظر إلى المؤلفات الأصولية الخاصة تبرز لنا أربعة مؤلفات، امتاز كل واحد من هذه المؤلفات بما يستأهل لأجله أن يفرد بدراسة مستقلة، وهذه المؤلفات هي: كتاب "الرسالة" للإمام الشافعي، و"الفقيه والمتفقه" للخطيب البغدادي، و"روضة الناظر" لابن قدامة، و"شرح الكوكب المنير" لابن النجار الفتوحي.



المراحل التي مرّ بها علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة:

المرحلة الأولى:

تبدأ هذه المرحلة بعصر الإمام الشافعي، وتنتهي بنهاية القرن الرابع تقريبًا. وأهم ما يميز هذه المرحلة هو تدوين الإمام الشافعي لعلم أصول الفقه، وما يتصل بهذا التدوين من ظروف وأحوال.

لقد جاء الشافعي في عصر ظهرت فيه مدرستان، استقامت كل واحدة على منهج واحدٍ معين، وكان الفقهاء إلا قليلاً يسيرون على منهج إحدى المدرستين لا يخالفونه إلى نهج الأخرى، إحدى هاتين المدرستين: مدرسة الحديث، وكانت بالمدينة، وشيخها هو مالك بن أنس صاحب الموطأ.

والمدرسة الثانية: مدرسة الرأي، وكانت بالعراق، وشيوخها هم أصحاب أبي حنيفة من بعده.

لقد غلب على مدرسة الحديث جانبُ الرواية؛ لكون المدينة موطن الصحابة ومكان الوحي، وغلب على مدرسة الرأي جانب الرأي؛ لعدم توافر أسباب الرواية لديهم، فقد كثرت الفتنُ والوضع والوضاعون.

إن كلتا المدرستين تتفق على وجوب الأخذ بالكتاب والسنة، وعدم تقديم الرأي على النص.

لقد استطاع الإمام الشافعي الجمع بين هذين المنهجين، والفوز بمحاسن هاتين المدرستين، فاجتمع للشافعي فقهُ الإمام مالك بالمدينة، حيث تلقى عنه، وفقهُ أبي حنيفة بالعراق، إذ تلقاه عن صاحبه محمد بن الحسن، إضافة إلى فقه أهل الشام وأهل مصر، حيث أخذ عن فقهائهما.

يضاف إلى ذلك مدرسة مكة التي تُعنى بتفسير القرآن الكريم وأسباب نزوله، ولغة العرب وعاداتهم، إذ تلقى العلم بمكة على مَنْ كان فيها من الفقهاء والمحدثين حتى بلغ منزلة الإفتاء. كما أن الشافعي خرج إلى البادية، ولازم هُذيلاً وكانت من أفصح العرب، فتعلَّم كلامها وأخذ طبعها، وحفظ الكثير من أشعار الهذليين وأخبار العرب.

بهذه المعطيات استطاع الإمام الشافعي أن يضع للفقهاء أصولاً للاستنباط، وقواعد للاستدلال، وضوابط للاجتهاد.

وجعل الفقه مبنيًّا على أصول ثابتة لا على طائفةٍ من الفتاوى والأقضية، لقد فتح الشافعي بذلك عين الفقه، وسن الطريق لمن جاء بعده من المجتهدين ليسلكوا مثل ما سلك وليتموا ما بدأ.

هكذا صنف الإمام الشافعي كتاب "الرسالة"، فكان أول كتاب في علم أصول الفقه.

قال الإمام أحمد بن حنبل"كان الفقه قفلاً على أهله حتى فتحه الله بالشافعي".

وقال أيضًا: "كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، فكان أفقه الناس في كتاب الله، وفي سنة رسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا يشبع صاحب الحديث من كتب الشافعي.

وقال أيضاً: "لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث".

وقد اشتمل كتاب "الرسالة" على أكثر مباحث الشافعي الأصولية، لكنه لم يشتمل عليها كلها، بل للشافعي مباحث مستقلة غيرها في الأصول.

فمن ذلك كتاب "جماع العلم" الذي اشتمل على حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها، وحكاية قول من ردَّ خبر الواحد، ومناظرة في الإجماع، وغير ذلك، وقد كان تأليفه له بعد كتاب "الرسالة"ومن ذلك كتاب "اختلاف الحديث"

فقد ألفه بعد كتاب جماع العلم وبيَّن فيه أنواع الاختلاف الوارد في الأحاديث النبوية، وبوَّبه تبويبًا فقهيًّا.

وللشافعي أيضًا- كتاب "صفة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وكتاب "إبطال الاستحسان". أما الكلام على كتاب "الرسالة" فسيأتي لاحقًا إن شاء الله - تعالى -.

لقد وضع الشافعي اللبنة الأولى في تدوين علم الأصول، وأوضح معالم هذا الفن وجلَّى صورته.

والإمام الشافعي فيما فعل كان مقتفيًا بأثر من قبله، متبعاً لا مبتدعاً، اعتمد فيه على هدي الكتاب والسنة، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وآثار الأئمة المهتدين، واستفاد أيضاً- من علم العربية وأخبار الناس، والرأي والقياس، ولعل أهم القضايا الأصولية التي قررها الشافعي، وسعى إلى بيانها في آثاره التي بين أيدينا:

1- بيان الأدلة الشرعية، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وتوضيح مراتبها.

2- إثبات حجية السنة عموماً، وتثبيت خبر الواحد خصوصًا، وبيان أنه لا تعارض بين الكتاب والسنة، ولا بين أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

3- بيان وجوب اتباع سبيل المؤمنين.

4- تحديد ضوابط الأخذ بالرأي، وشروط استعمال القياس.

5- إبطال القول على الله بلا علم، دون حجة أو برهان.

6- التنبيه على أن القرآن نزل بلغة العرب، وأن فيه عدداً من الوجوه الموجودة في اللسان العربي.

7- بيان الأوامر والنواهي.

8- ذكر الناسخ والمنسوخ.

هذا فيما يتعلق بجهود الإمام الشافعي وآثاره.

ثم تتابعت بعد ذلك جهودُ علماء أهل السنة، وكانت معظم هذه الجهود في هذه المرحلة الزمنية تتركز على الاعتصام بالكتاب والسنة.

فمن ذلك:

"رسالة الإمام أحمد في طاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -"، وكتاب "أخبار الآحاد"، وكتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" كلاهما من الجامع الصحيح للإمام البخاري، وما صنفه خطيب أهل السنة الإمام ابن قتيبة وكتاب "تأويل مشكل القرآن" وكتاب مختلف الحديث.

وغير ذلك مما كتبه أئمة السلف في كتب العقائد والرد على الفرق الضالة، حيث قرروا وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وأقاموا لهذا الأصل العظيم الأدلة والشواهد الشرعية.

وخلاصة القول:

أنه قد تم في هذه المرحلة تدوين علم أصول الفقه، وذلك على يد الإمام الشافعي الذي كان أهلاً للقيام بهذا الدور العظيم؛ لما اجتمع فيه من علم الكتاب والسنة وفقه الاستنباط وعلم اللغة، إضافة إلى ما أوتي من عقل وذكاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ثم بعد ذلك جاءت جهود العلماء متممة لما بدأه الشافعي، خاصة فيما يتعلق بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، فكانت هذه الجهود وتلك بمثابة الخطوط العريضة لمنهج أهل السنة والجماعة والقواعد العامة لطريقتهم في أصول الفقه، وكان لهذه المرحلة الزمنية الأثر البليغ والتأثير العظيم في جهود العلماء اللاحقة، كما سيظهر ذلك جليِّا في المرحلة الثانية والثالثة.



المرحلة الثانية:

تبدأ هذه المرحلة من أوائل القرن الخامس، وحتى نهاية القرن السابع على وجه التقريب، وقد برز في هذه المرحلة إمامان:

إمام أهل السنة في المشرق الخطيب البغدادي صاحب كتاب "تاريخ بغداد".

وإمام أهل السنة في المغرب أبو عمر بن عبد البرصاحب كتاب "التمهيد".

أما حافظ بغداد فقد صنف في أصول الفقه كتاب "الفقيه والمتفقه" الذي جعله نصيحة لأهل الحديث. ويعد هذا الكتاب امتداداً لكتاب الرسالة للشافعي، ثم إنه أضاف فيه قضايا جدلية ومباحث متعلقة بأدب الفقه، وسيأتي الكلام لاحقًا على هذا الكتاب.

أما حافظ الأندلس فقد صنف كتاب "جامع بيان العلم وفضله" استجابة لمن سأله عن معنى العلم، وعن تثبيت الحجاج بالعلم، وتبيين فساد القول في دين الله بغير فهم، وتحريم الحكم بغير حجة، وما الذي أجيز من الاحتجاج والجدل وما الذي كره منه؟ وما الذي ذم من الرأي وما حمد منه؟ وما يجوز من التقليد وما حرم منه؟ فأجابه الشيخ إلى ما سأل قائلاً:

"ورغبت أن أقدم لك قبل هذا من آداب التعلم، وما يلزم العالم والمتعلم التخلق به والمواظبة عليه، وكيف وجه الطلب، وما حمد ومدح فيه من الاجتهاد والنصب إلى سائر أنواع الآداب التعلم والتعليم وفضل ذلك، وتلخيصه بابًا بابًا مما روي عن سلف هذه الأمة - رضي الله عنهم - أجمعين لتتبع هديهم، وتسلك سبيلهم، وتعرف ما اعتمدوا عليه من ذلك مجتمعين أو مختلفين في المعنى منه، فأجبتك إلى ما رغبت.

ومما مضى تبين أن الكتاب يبحث في موضوعين:

الأول: في فضل العلم وآداب أهله.

الثاني: في مباحث أصولية.

استغرق الموضوع الأول نصف الكتاب الأول تقريبًا.

وكان من أبرز المباحث الأصولية التي تكلم عليها في النصف الآخر من الكتاب:

* أصول العلم: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

* ما جاء في أن العلم هو ما كان مأخوذاً عن الصحابة، وما لم يؤخذ عنهم فليس بعلم.

* الاجتهاد والقياس.

* التقليد والاتباع.

* الفتوى.

* موضع السنة من الكتاب وبيانها له.

ويلاحظ استفادة ابن عبد البر من مروياته الحديثية، ومن النقل عن أئمة المالكية، وحرصه على نقل ما عليه سلف الأمة، وهو يعقب في الغالب- على ما يروي من آثار وأحاديث، وعلى ما ينقل بقوله: "قال أبو عمر" أو "قلت".

وقد نقل ابن عبد البر من كتب الشافعي في مواضع.

وفي الجملة فإن هذا الكتاب مليء بالآثار والنقول المسندة عن عدد كبير من الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين ومن بعدهم، ومشتمل على أقوال ثلة من أهل العلم المتقدمين. والكتاب بحاجة إلى دراسة حديثية لآثاره وأسانيده، وتنظيم طباعي، وتحقيق علمي لمباحثه الأصولية، ومقدمة دراسية عن المؤلف وكتابه، وفهارس دقيقة متنوعة.

وقد ظهر في هذه المرحلة أيضًا كتابان:

الأول: كتاب "تقويم الأدلة" لأبي زيد الدبوسي.

والثاني: كتاب "المستصفى" للإمام الغزالي.

وكلا هذين الكتابين يمثل اتجاهًا مستقلاً في أصول الفقه.

فالأول يقول عنه ابن خلدون: "أما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيراً، وكان من أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي".

وقال أيضاً: "وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم أي الحنفية- فكتب في القياس بأوسع من جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يُحتاج إليها فيه. وكملت صناعة أصول الفقه بكماله، وتهذيب مسائله وتمهدت قواعده".

وأما الثاني وهو كتاب "المستصفى" فإنه يعتبر واسطة العقد في كتب المتكلمين الأصولية، فهو جامع لما سبقه من مؤلفات أصولية، وما بعده لا يخلو من الاستفادة منه، وبه اكتملت أركان علم الأصول، وفيه نضجت مباحثه وتمت مسائله.

وقد أحسن أهل السنة التعامل مع هذين الكتابين المهمين، والاستفادة مما فيهما.

أما كتاب "تقويم الأدلة" للدبوسي فقد تصدَّى له أبو المظفر ابن السمعاني في كتابه قواطع الأدلة.



قال أبو المظفر في مقدمة هذا الكتاب: "وما زلت طول أيامي أطالع تصانيف الأصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم، فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام، ورائق من العبارة، ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه.

ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل، غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نفير ولا قطمير.

فاستخرت الله - تعالى -عند ذلك، وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه أسلك فيه طريقة الفقهاء، من غير زيغ عنه ولا حيد، ولا جنف ولا ميل، ولا أرضى بظاهر من الكلام، ومتكلف من العبارة، يهول على السامعين، ويسبي قلوب الأغتام الجاهلين، لكن أقصد لباب اللب، وصفو الفطنة، وزبدة الفهم، وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة، وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليه.

وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" بالإيراد، وأتكلم عليه بما تزاح معه الشبهة، وينحل به الإشكال، بعون الله.

وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع عنها لتكون عونًا للناظر.." .

وقد استفاد أبو المظفر من أبي زيد الدبوسي، ونقل عنه عدداً من المباحث، وأورد عليه وردَّ عليه في مباحث أخرى

وكتاب القواطع امتاز بتوسطه بين طريقتين: طريقة الفقهاء، وطريقة المتكلمين.

فهو لم يجرد كتابه عن الفروع الفقهية، بل أورد فيه عددًا من المسائل الفقهية، كما أنه حرر المسائل وأصَّل القواعد على أدلة الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، وقد أكثر من النقل عن الإمام الشافعي خاصة وعن غيره من أئمة أهل السنة.

وقال ابن السبكي عن هذا الكتاب: لا يوجد كتاب في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع، كما لا أعرف فيه أجل ولا أفحل من برهان إمام الحرمين. فبينهما في الحسن عموم وخصوص".

أما كتاب "المستصفى" للغزالي فقد قام باختصاره وتهذيبه الإمام الموفق ابن قدامة، وذلك في كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، وسيأتي الكلام على ذلك لاحقًا".

وخلاصة القول:

أن هذه المرحلة اتسمت بغزارة المادة الأصولية المبنية على الأحاديث النبوية والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، وذلك يمثله بوضوح كتاب ابن عبد البر وكتاب الخطيب البغدادي، كما أنَّ هذه المرحلة تميزت بالاتجاه الحديثي المتمثل بذكر المرويات بأسانيدها، ولم يكن هذا الاتجاه قاصراً على الرواية والتحديث، بل انضم إلى ذلك الاستنباط والفهم، وإثبات القياس والاجتهاد، والدعوة إلى إعمال الرأي في حدود الشرع، والتحذير من التسرع في الفتيا وإصدار الأحكام، والتنبيه على فضل العلم وأدب أهله.

وكانت هذه المرحلة امتداداً للمرحلة السابقة التي تمثلت في كتاب "الرسالة" للشافعي، فقد استفاد ابن عبد البر والخطيب البغدادي وابن السمعاني استفادة مباشرة واضحة من آثار الشافعي.

أما كتاب "الروضة" لابن قدامة فإنه يُمَثِّل نقلةً جديدة تتجلى في التأثر بمنهج المتكلمين مع المحافظة على التصور السلفي إجمالاً، ولعل السبب في ذلك هو كثرة كتب المتكلمين الأصوليين في تلك الفترة وانتشارها مع إتقان ترتيبها وحسن عرضها.

المرحلة الثالثة:

بداية هذه المرحلة هي بداية القرن الثامن، وتنتهي بنهاية القرن العاشر تقريبًا، وقد برز في هذه المرحلة في أوائلها- إمامان جليلان. حفظ الله بمهما منهج أهل السنة والجماعة، وجدَّد الله بهما هذا الدين.

إنهما شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية.

وقد وافق عصر هذين الإمامين اتساع جهود المتكلمين الأصوليةفقد توافرت كتبهم، المختصرات منها والمطولات، وتداول الناس هذه الكتب، وعمت مطالعتها ودراستها، ويمكن تلخيص دور هذين الإمامين إزاء هذا التيار في جانبين:

الجانب الأول: تأصيل قواعد أهل السنة والجماعة، وتثبيت دعائم منهج السلف الصالح بالحجة البالغة والبرهان الساطع، والرجوع في كل ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما دل عليه العقل الصريح والفطرة السليمة، وما ورد عن الصحابة والتابعين. وعدم الالتفات إلى مناهج المناطقة ومسالك الفلاسفة.

إن القضايا والمطالب التي اشتغل ابن تيمية بإظهارها وبيانها أو ابن القيم إنما هي قضايا كلية ومطالب أساسية، عليها تبنى مسائل كثيرة وفروع عديدة.

فمن الأمثلة على ذلك:

أ- وجوب اتباع الكتاب والسنة اإتباعاً عاماً، وأنه لا تجوز معارضتهما برأي أو عمل أو ذوق أو غير ذلك، بل يجب أن يُجعلاهما الأصل، فما وافقهما قُبِلَ، وما خالفهما رُدَّ.

ب- أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة أصول معصومة، تهدي إلى الحق، لا يقع بينها التعارض، وأن القياس الصحيح موافق للنص أيضًا.

ج- أن للعلماء في اجتهاداتهم أسباباً وأعذاراً، والواجب في المسائل الاجتهادية بيان الحق بالعلم والعدل.

د- أن أحكام الشريعة مشروطة بالقدرة والاستطاعة، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

هـ- أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتم بيان هذا الدين، فالدين كامل والنصوص محيطة بأفعال المكلفين، وأن رسالته - صلى الله عليه وسلم - عامة للثقلين وهي ضرورية للخلق.

الجانب الثاني: الرد على الباطل وكشف زيفه، وبيان بطلانه، وذلك بعد الوقوف على مآخذه لدى أهله؛ لمقارعة الحجة بالحجة.

كل ذلك بأدلة المنقول والمعقول، مع النصيحة والبيان، فكان هذا الصنيع تصحيحاً للخطأ وتقويماً للاعوجاج، وتوضيحاً للحق ودعوة إليه، وفضحًا للباطل وتحذيراً منه.

ومن الأمثلة على ذلك:

أ- مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وبيان طرفي الانحراف في هذه المسألة.

ب- جناية التأويل وخطورته، وبيان الصحيح منه والباطل.

ج- الرد على من زعم أن النصوص تفيد الظن ولا تفيد اليقين، وذكر الأدلة على ذلك.

د- درء التعارض بين العقل والنقل، وإقامة الأدلة والشواهد على ذلك.

إن جهود ابن تيمية وابن القيم وآثارهما الجليلة امتداد لآثار من سبقهم من أئمة أهل السنة والجماعة، فقد استفاد هذان الإمامان من جهود ابن عبد البر والخطيب البغدادي وابن السمعاني، ومن قبلهم الإمام الشافعي وغير هؤلاء من الأئمة. يضاف إلى ذلك أن جهود هذين الإمامين تمثل دراسة تقويمية لكتب المتكلمين الأصولية، ونقداً لقواعد المتكلمين ومناهجهم، وبيانًا لما لها وعليها انطلاقاً من منهج السلف الصالح.

وإذا أردنا الوقوف على آثار هذين الإمامين في أصول الفقه فإنه من الصعوبة الإحاطة بهذه الآثار على وجه الدقة، ذلك لضخامة تراثهم وسعة امتداده من جهة، ومن جهة أخرى فإن تآليهما تتصف بالاستطراد والتشعب، فما أن يبتدئ الواحد منهما بموضوع حتى يُفرِّغ الكلام على غيره، وهذا يجرُّه إلى غير وهكذا، ولعل صفة الاستطراد عند ابن تيمية أظهر وأقوى منها بالنسبة إلى ابن القيم.

لذا حسن جمع ما لهذين الإمامين من أبحاث أصولية في قائمتين خاصتين وفي هذا المقام يمكن الإشارة إلى كتابين مستقلين في أصول الفقه لهذين الإمامين، الأول كتاب "المسودة" لآل تيمية، والثاني كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، على أن الأخير من هذين الكتابين ليس خاصاً في أصول الفقه إلا أن معظم مباحثه تتعلق بالأصول.

أما كتاب "المسودة" فإنه في الأصل نقول جمعها مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني، جدُّ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية، وتركها دون أن يبيضها، فعلق على بعضها ابنه شهاب الدين عبد الحليم، والد شيخ الإسلام، وتركها أيضاً مسودة دون أن يبيضها، ثم جاء شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية فعلق على بعضها وتركها أيضًا مسودة دون أن يبيضها، ثم قيض الله لهذه المسودات أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية فجمعها ورتبها وبيضها وميز بعضها عن بعض، فما كان لشيخه قال فيه: "قال شيخنا"، وما كان لوالد شيخه قال فيه: "قال والد شيخنا"، وما كان لصاحب الأصل مجد الدين تركه مهملاً.

والكتاب ضم جملة من النقول عن أئمة الحنابلة الأصوليين، وهذا هو الغالب فيه، لذا فهو مجمع لكثير من أقوال الحنابلة، ومرجع لتحرير مذهب الإمام أحمد في عدد من المسائل الأصولية. والكتاب بحاجة إلى تنقيح وتهذيب لوجود تكرار في بعض مباحثه، وإلى ترتيب، إذ هو عبارة عن مسائل وفصول لا يجمعها باب ولا يضمها عنوان، فالكتاب إذن يحتاج إلى فهرسة دقيقة، إضافة إلى أن الكتاب لا يطمأن إليه في نسبة ما فيه إلى مؤلفيه؛ إذ تركوه دون تحرير ولا تحقيق، فهو مسودة.

أما كتاب "إعلام الموقعين" فقد ذكر فيه ابن القيم مباحث أصولية مهمة أفاض الكلام عليها. فمن هذه المباحث:

* القياس.

* الاستصحاب.

* التقليد.

* الزيادة على النص.

* قول الصحابي.

* الفتوى.

* دلالة الألفاظ على الظاهر.

* سد الذرائع وتحريم الحيل.

* ليس في الشريعة ما يخالف القياس.

وهناك مباحث أخرى نفسية ازدان بها هذا الكتاب. فمن ذلك:

* ذكر أئمة الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

* شرح خطاب عمر - رضي الله عنه - في القضاء.

* أنواع الرأي المحمود والمذموم.

* مسائل في الطلاق والأيمان.

* فتاوى النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيدة وفي الأبواب الفقهية.

* أمثلة على الحيل المباحة والباطلة.

* أمثلة على رد المحكم بالمتشابه.

* أمثلة على رد السنن بظاهر القرآن.

وقد امتاز هذا الكتاب بكثرة الأمثلة الفقهية على عدد من المسائل الأصولية، وامتاز أيضًا ببيان حكمة التشريع ومقاصد الشريعة، إضافة إلى حسن البيان وجمال الأسلوب، كما أن الكتاب جامع لكثير من الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، وفيه نقول مطولة مهمة عن بعض الأئمة.

فهو بذلك غاية في منهج أهل السنة والجماعة، وعمدة في بيان طريقة السلف، والكتاب يحتاج إلى تخريج آثاره وفهرسة مباحثه ومطالبه، وحقيق بدراسة تبرز محاسنه، وتفصح عن منهج مؤلفه ومصادره فيه ومقاصده منه.

وفي هذه المرحلة أيضًا ظهرت لبعض علماء أهل السنة مؤلفات أصولية، إلا أنها على وجه العموم تأثرت بمنهج المتكلمين جملة.

وهذا التأثر يختلف من كتاب إلى آخر.

وفي المقابل قد حافظت هذه المؤلفات في الجملة على منهج السلف، وهذه المحافظة أيضًا تختلف من كتاب إلى آخر.

ولعل مدى التأثر بمنهج المتكلمين، ومقدار المحافظة على منهج السلف في هذه المؤلفات يظهر بما سيأتي بيانه فيما يتعلق بالكلام على كتاب "الروضة" لابن قدامة وكتاب "شرح الكوكب المنير" للفتوحي.

فمن هذه المؤلفات:

1- "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" للإمام صفي الدين عبد المؤمن الحنبلي. المتوفى سنة (739هـ).

2- "المختصر في أصول الفقه" للإمام علاء الدين ابن اللحام البعلي الحنبلي المتوفى سنة (803هـ).

3- "شرح مختصر ابن اللحام في أصول الفقه" للإمام تقي الدين أبي بكر ابن زيد الجراعي الحنبلي. المتوفى سنة (883هـ).

4- "تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول" للإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي. المتوفى سنة (885هـ).

5- "مختصر التحرير" للإمام تقي الدين محمد بن أحمد، ابن النجار الفتوحي، الحنبلي. المتوفى سنة (972هـ).

6- "شرح مختصر التحرير" المشتهر بـ"شرح الكوكب المنير" له أيضًا.

والملاحظ على هذه الكتب:

أن جميعها لعلماء حنبليين، وأن بعضها شرح لبعض:

فـ "مختصر ابن اللحام" شرحه الجراعي، و"التحرير" للمرداوي اختصره الفتوحي ثم شرح المختصر.

وأن آخرها وقتاً وأكبرها حجماً كتاب "شرح الكوكب المنير"، لذا فقد اجتمعت هذه الكتب في هذا الكتاب وعادت إليه، فأمكن بهذا الاعتبار أن يجعل ختاماً لهذه المرحلة، ولذلك حسن إفراد هذا الكتاب بالدراسة كما سيأتي لاحقاً إن شاء الله.

وبذلك يسدل الستار على هذه المرحلة الزمنية، والتي قصر الكلام فيها على الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم وعلى بعض علماء الحنابلة.

وخلاصة القول:

أن هذه المرحلة تميزت بجهد علمي جليل قام على ركيزتين:

الأولى: إيضاح وإبراز القواعد الأصولية على منهج السلف الصالح.

والثانية: توجيه النقد، وتصحيح الخلل لدى المتكلمين في قواعدهم الأصولية، وقد تم هذا الجهد المشكور على يد الإمام ابن تيمية، ومن بعده ابن القيم. وقد بنى هذان الإمامان ذلكم الجهد على تلكم الثروة العلمية التي تركتها للأمة الإمام الشافعي ومن سار على نهجه من بعده.

ويضاف إلى ذلك ظهور مؤلفات لبعض علماء الحنابلة كابن اللحام، والرمداوي، والفتوحي، وكأن هذه المؤلفات امتداد لكتاب الروضة لابن قدامة الذي كان نقلةً جديدة ظهر فيها بوضوح التأثر بمنهج المتكلمين، إلا أن المؤلفات في هذه المرحلة استجابت ولا شك، واستفادت ولا ريب من جهود ابن تيمية وابن القيم، فظهر تأثر هذه المؤلفات مع التفاوت في ذلك- بما قرره هذان الإمامان وبيَّناه جليًّا واضحًا.
هذه هي المراحل التي مرت بها المسيرة المباركة لأهل السنة والجماعة في أصول الفقه، وقد ظهرت بعد ذلك مؤلفات أخرى لبعض أئمة أهل السنة، إلا أن هذه المؤلفات ترجع في الجملة إلى المراحل التي سبقتها.

فمن هذه المؤلفات:

1- "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل"، للشيخ عبد القادر بن بدران الدومي الدمشقي المتوفى سنة (1346هـ).

2- "نزهة الخاطر العاطر شرح كتاب "روضة الناظر وجنة المناظر"، له أيضًا.

3- رسالة لطيفة في أصول الفقه للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي المتوفى سنة (1376هـ).

4- "وسيلة الحصول إلى مهمات الأصول للشيخ حافظ بن أحمد الحكمي المتوفى سنة (1377هـ).

5- "مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر"، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، المتوفى سنة (1393هـ).



----------------------------------------



منقول

نور الهدى
04-16-2008, 03:24 PM
[سجل معنا ليظهر الرابط]