طلعت حجازى
04-25-2010, 02:59 AM
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
الموضوع الذى بين أيدينا هو من أخطر الموضوعات على الاطلاق ويبلغ من الحساسيه
درجه كبيره من الاهميه ، ولعلمى لمدى حاجه الناس لمعرفه المزيد عن هذا الموضوع
وخصوصاً وعلى وجه التحديد شباب أمتنا ، أحببت أن أوضح بعض الامور فى هذا
الموضوع الشائك من بعض جوانبه ،ولكن لا يمكن فعل ذلك كله فى مقال واحد ، لذا
سنعرض لكل أمر من هذه الامور فى مقال منفصل ولكن تحت نفس العنوان السابق
ولنبدأ بطرح فكره مجمعه عن الاستشراق وعلاقته بالمجتمعات الاسلاميه :
يعتبر مجال العقيده الاسلاميه من أهم المجالات التى اهتم بها المستشرقون ووجهوا لها النصيب الأكبر من دراساتهم ، فقد نشأ الاستشراق فى مجال الدراسات الاسلاميه أصلاًً لدراسه العقيده الاسلاميه ، والبحث عن الوسائل والعوامل التى يمكن تطويرها لهدم
هذه العقيده وتخريبها وتشويه أصولها 0 ويعتبر الدافع الدينى من أهم
الدوافع التى وجهت المستشرقين لدراسه العقيده الاسلاميه ، فمنذ ظهور
الاسلام وانتشاره فى العالم النصرانى القديم أكتشف الغرب أن الاسلام
خطر عظيم يهدد النصرانيه فى عقر دارها وعندما فشل الغرب فى
المواجهه السياسيه والعسكريه مع المسلمين ، ولم يتمكن من وقف الاسلام وانتشاره السريع فى البلاد النصرانيه وغيرها من بلاد العالم
القديم اتجه الى دراسه الدين الاسلامى دراسه دينيه عقديه متعمقه من
أجل وضع الخطط الدينيه والفكريه للدفاع عن النصرانيه بالوسائل الفكريه بعد فشل المواجهات العسكريه 0 وهكذا تفرغ عدد من علماء
النصرانيه واليهوديه للتخصص فى العقيده الاسلاميه ، والبحث فى أنجح الوسائل الفكريه لنقد الدين الاسلامى وتجريحه وتحريفه ، وتشويه
صورته عملاً على منع أنتشاره بين النصارى واليهود من ناحيه ، ولتشكيك المسلمين أنفسهم فى أمور دينهم وعقيدتهم من ناحيه أخرى0
ومع تطور الدراسات الاستشراقيه فى العقيده الا سلاميه جمع -المستشرقون بين الهدف الدفاعى عن اليهوديه والنصرانيه ضد الاسلام
وبين الهجوم على الاسلام فى محاوله يائسه لوقف تقدمه ومنع انتشاره
وفى هذا يقول د0 حسن المعايرجى : " وقد نما هذا الهجوم الفكرى والعقيدى وشب حتى وصل الى مرحله متطوره فى عصرنا الحاضر
وهو هجوم من شعبتين : شعبه موجهه الى الشعوب المسيحيه لتحصينها
ضد الاسلام الذى انتشر واتسع نفوذه وذلك بتشويه صورته وتجريحه
والقدح فيه ، ونقده والتطاول عليه وعلى القرآن وعلى نبى الاسلام ، مما كون ما يشبه الجدار السميك من الافكار السوداء عن هذا الدين
الحنيف 0000
أما الشعبه الثانيه فهى الشعبه الموجهه الى المسلمين فيما نراه من هجمات تبشريه بشعه على أمه الاسلام 000 ان هذا الهجوم العقيدى
الفكرى 000 أخذ يتطور مع السنين حتى أصبح علماً أو علوماً لها مدارس
ومناهج 0 وما الاستشراق ومقارنه الاديان ومعاهد الدراسات الشرقيه
(فى الجامعات الغربيه الا ثمار هذا الهجوم الفكرى0"
وعلى الرغم من أن الاستشراق لم يتمكن عبر تاريخه الطويل من تحريف العقيده الاسلاميه وفشل فى تحقيق هدف تشويه الدين الاسلامى
فقد نجح فى اثاره العديد من المشاكل الدينيه والقضايا العقديه التى
شغلت المسلمين من ناحيه فى الرد على شبهات الاستشراق فى مجال
العقيده ، ودفعت المسلمين الى اتخاذ موقف الدفاع ضد الاستشراق الأمر الذى كان له تأثيره على الفكر الاسلامى الحديث ، وصبغه بالصبغه الدفاعيه ، وابعاد العلماء المسلمين عن الدراسه المتعمقه فى
أمور دينهم ، والسعى الى حل القضايا الاسلاميه المعاصره من خلال
التأمل العميق فى تراثهم الاسلامى ، وايجاد الحلول المناسبه لدينهم
وحضارتهم لمشاكل الحياه الاسلاميه الحديثه وقضايا التنميه التى تواجهها البلاد الاسلاميه 0 لقد نجح الاستشراق فى جذب الفكر الاسلامى الحديث الى النظر فى المشاكل والشبهات التى يثيرها المستشرقون ، ووضع المسلمين فى موقف الدفاع ، وصرف نظرهم
عن التعمق فى دينهم وأجبرهم على على متابعه القضايا الكيديه والشبهات والتحريفات ، والاباطيل التى امتلأت بها الكتابات الاستشراقيه0
ولو نظرنا الى كم الجهد المبذول من الشباب المسلم فى الرد على
شبهات الاستشراق ، وكذلك العلماء 0
لعلمنا كم الوقت المهدر ،وكيف نجحوا فى تعطيل طاقه الشباب
المسلم وكذلك علماء المسلمين من التعمق فى تراثهم بحثاً عن
حلول لمشاكلهم ، التى أثقلتهم وجعلتهم يتخلفوا عن ركب الحضاره
الحديثه ، وغاب عن ذهن المسلمين ما انشغلوا به 0
ولهذا سنعرض فى المقالات القادمه بمشيئه الله تعالى للآثار
السلبيه للاستشراق على المجتمعات الاسلاميه ، مدعمين بأراء
علماء المسلمين الذين فطنوا لهذا الامر واجتهدوا فى بيانه وعرضه
على الامه لتنتبه وتستيقظ من الانقياد للمخططات الاستشراقيه0
وبينوا وفندوا كل ما خطط له المستشرقون وما ينفذ على أرض
الواقع والى الآن لم ينتبه اليه الكثير من المسلمين ، لماذا ؟
هذا ما سنبينه بالتتابع فى مقالات قادمه بمشيئه الله وفضله
طلعت حجازى
05-10-2010, 02:23 AM
السلام عليكم أخوتى الكرام
لقد حزنت حزنا عميقا على قله الاهتمام من قبل الاعضاء
الكرام بهذا الموضوع ، والذى هو فى رأيى من أهم
الموضوعات التى يجب علينا كمسلمين تدارسها والتعمق
فى فهمها ، كما فعلوا هم درسوا علومنا وانطلقوا منها
فوصلوا الى ماهم فيه ، وتعمقوا فى دراسه عقيدنا وألقوا
علينا الشبهات والتهم وأجبرونا على أن نقف دائما فى
موقف المدافع ، واذا بنا لا نبالى 0
لذا فكرت فى عدم التكمله والوقوف عند هذا الحد 0
ولكنى تراجعت وقلت أفعل ما يتوجب علىّ فعله 0
واضع الجزء الثانى من الموضوع0
اقرأ ماسبق
فى المقال السابق أوجزنا فى عُجاله اجمالا لخطوره الاستشراق على
البلاد الاسلاميه ، واستكمالاً لما بدأنا نتحدث فى هذا المقال عن الآثار
السلبيه للاستشراق على المجتمعات الاسلاميه ، من أقوال علماء باحثين
ومفكرين أسلاميين ، لنعلم مدى الخطر المحدق بنا 0
وأول هذه الآثار :
1-اثاره الشكوك والشبهات فى العقيده الاسلاميه
يقول د0 محمد خليفه حسن0 أستاذ تاريخ الاديان0 فى كتابه (آثار الفكر الاستشراقى فى المجتماعات الاسلاميه 0 ص13 ، 14 )
عمل الاستشراق على اثاره الشكوك لدى فريق من العلماءالمسلمين
فى عقيدتهم ، وفى القيّم الدينيه والحضاريه المنبثقه عن هذه العقيده
وقد كان التأثير الفكرى الاستشراقى عظيما فى عدد من هؤلاء المسلمين
الذين تعلموا فى الغرب ، أو الذين تحقق لهم نوع من الاتصال بالغرب
وحضارته ومؤسساته الثقافيه ، فأصابه ما أصاب الغرب عامه من هجر
للدين ، واحتقاراً له ، والفصل بينه وبين أمور الدنيا 0 وقد خضع هؤلاء
للقيم الغربيه وتأثروا بمعطيات الحياه الغربيه ، وحاولوا نقل قيم الحضاره
الغربيه الى عالمنا الاسلامى على أعتقاد منهم بأفضليه هذه القيم على
القيم الاسلاميه نتيجه الانبهار الشديد بحضاره الغرب وتقدمه العلمى
والتكنولوجى ، والاخذ بمظاهر الحضاره الغربيه ، والأعتقاد فى عجز
الحضاره الاسلاميه عن استيعاب العلم الحديث والتكنولوجيا الغربيه
بسبب أرتباط حضاره الاسلام بالدين الاسلامى 0 ونادوا بفصل الدين
عن الدنيا ، وعزل الاسلام عن حضارته معتقدين أن التخلف العلمى
للمسلمين فى العصر الحالى سببه ارتباط المسلمين بدينهم بينما تقدم
الغرب لأنه هجر الدين وفصل بين الدين والدنيا 0
ومن الواضح تأثر هؤلاء بالمظاهر الماديه للحضاره الغربيه وعدم
تعمقهم فى فهم المشاكل الحضاريه التى نجمت عن الاستغراق فى
الحضاره الماديه حين انفصلت عن الدين ، وأصبحت بلا رقيب دينى
أو أخلاقى يوجهها ، ويحدد لها هدفها ومسيرتها 0 كما أنهم لم يتعمقوا
فى فهم دينهم الاسلامى وتراثهم وحضارتهم الاسلاميه ، ويدل تاريخ
الحضاره الاسلاميه دلاله حاسمه على امكانيه قيام حضاره ماديه معتمده
على قيم دينيه وأخلاقيه تحرسها ، وتضمن لها استمرارها وصلاحيتها،
وتبعدها عن السقوط فى شرور الماديه المطلقه التى وقعت فيها الحضاره
الغربيه الحديثه 0 لقد حققت الحضاره الاسلاميه فى عصور ازدهارها
أقصى مراحل التقدم العلمى بسبب انبثاقها عن الدين الاسلامى ، وأخذها
قيمها ومبادئها عن هذا الدين ، فكانت حضاره صالحه لكل زمان ومكان،
وخاليه من المفاسد والشرور التى تنتج عن سياده الماده على الحياه الانسانيه
- كما أثيرت الشكوك لدى بعض المسلمين فى العديد من الموضوعات الدينيه
من بينها التهوين من أمر الكتب المقدسه ، والنظر الى القرآن الكريم والحديث
النبوى ومصادر العقيده الاسلاميه على أنها خاضعه للنقد العقلى ، وحض
المسلمين على ضروره التحرر فى دراسه هذه الكتب والمصادر الدينيه
واخضاعها للرؤيه النقديه العقليه ، وبالتالى التقليل من قداستها والتخفف
من احترام المسلمين لها ، بل والحض على هجرها واستبدالها بالقوانين
الوضعيه والقيم الانسانيه التى لاتستند الى أى مصدر الهى 0 والنظر الى
العديد من العقائد على انها أمور غيبيه وأسطوريه لا يستطيع العقل الانسانى
اثباتها ، وبالتالى لابد من اخضاعها للدراسه النقديه العقليه وهجر كل ما
يرفضه العقل 0
وتأثر بعض المسلمين بهذا الاتجاه الاستشراقى العلمانى هو نتيجه الجهل
بطبيعه الدين الاسلامى ، وهو دين العقل والفطره السليمه ، والذى لا يتناقض
والعقل فى كبيره أو صغيره فهو الدين الداعى الى اعمال العقل
فى أمور الدين والدنيا ، والداعى الى ضروره وأهميه التعقل والتدبر والتأمل
والتفقه وغير ذلك من العمليات العقليه التى دعا اليها القرآن الكريم والحديث
النبوى ، والدين الاسلامى يدعوا الى استخدام العقل فى فهم الدين وتفسير
الوحى الالهى ، واستنباط الاحكام والادله ، وفى تنظيم شئون الدنيا ، ويجهل
هؤلاء العلماء الخلفيه التى دفعت المستشرقين الى التقليل من شأن الدين
والوحى ، وما نتج عنه من تقديس للعقل وعباده له 0 فالاحكام التى أراد
المستشرقون نشرها بين المسلمين فى شأن القيمه المطلقه للعقل الانسانى
تستند الى خلفيه فكريه غربيه خالصه لا صله لها بطبيعه الدين الاسلامى
وطبيعه عقيدته الغراء 0 فالمستشرق ابن بيئته الثقافيه ، وهو كغربى –
نصرانى أو يهودى – اكتشف منذ زمن طويل عقم الديانتين النصرانيه
واليهوديه ، وعجزهما عن مواجهه الحقائق العلميه التى أتى بها عصر
النهضه الاوربيه والثوره العقليه التى تحققت فى ذلك العصر الذى دخل
بالغرب فى عصر العلم والتكنولوجيا0
وهنا يجب تنبيه المسلمين – خاصه المتأثرين منهم بالاستشراق والمنبهرين
بنتائجه – الى حقيقه أساسيه فى الدراسات الاستشراقيه خاصه فى مجال
العقيده الاسلاميه 0 وهذه الحقيقه هى أن الأحكام الاستشراقيه والاراء التى
قيلت فى شأن العقيده الاسلاميه هى فى حقيقه الأمر أحكام وأراء وضعت فى شأن الديانتين اليهوديه والنصرانيه أصلاً 0 فقد نتج عن ارتفاع شأن العقل
فى الغرب منذ عصر النهضه الاوروبيه ان تم اخضاع الدين للعقل فاصبح
الدين فى الغرب موضوعاً للعقل والتحليل العقلى0 ونتج عن النقد العقلى
لليهوديه والنصرانيه – وهما الديانتان الأساسيتان فى الغرب فى عصر
النهضه – اكتشاف ضعف الاساس العقلى لهاتين الديانتين 0 وهو اكتشاف
منطقى ومعقول 0 ولم يكن نتيجه تعسف أو مغالاه فى استخدام العقل
فى فهم اليهوديه والنصرانيه 0 فمن المعروف لنا كمسلمين أن اليهوديه
والنصرانيه تم تحريفهما على يد المعتقدين فيهما ، وتحولت الديانتان بسبب
كثره التبديل والتحريف من ديانتى وحى يحترم العقل ويحض على استخدامه
الى ديانتين أسطوريتين خرافيتين ، وذلك لكثره ما دخل فيهما من معتقدات
وثنيه ، ومن عناصر دينيه غريبه على التوحيد والوحى وبعيده عن متناول العقل الذى فشل فى تقديم تبريرات عقليه للمواد الأسطوريه الوثنيه التى
تسربت للديانتين 00 وقد فشلت الديانتان فى الأختبار العقلى الذى نصبه
لهما عصر النهضه الأوروبيه بحبائله وشباكه العقليه البحته – وخلال
هذه الحمله العقليه على اليهوديه والنصرانيه تم اخضاع كتبهما المقدسه
للدراسه العقليه الناقده 0 وكما فشلت الديانتان فى الأختبار ، كذلك أثبت
البحث العلمى النقدى للعهد القديم والعهد الجديد أنهما كتابان من وضع
الانسان ، وممتلآن بالكثير من الماده غير العقليه أى التى لا يقبلها العقل
، وهى الماده الاسطوريه الخرافيه التى تسربت الى هذه الكتب من الوثنيات
المحيطه بهما فى بيئه الشرق الأدنى القديم 0
وعندما نجح علماء نقد الكتب المقدسه فى الغرب فى نقد اليهوديه والنصرانيه
وكتب العهدين القديم والجديد اعتقد بعض المستشرقين أن المنهج العقلى
الذى تم تطبيقه على اليهوديه والنصرانيه صالح للتطبيق على الاسلام
وأن الاسلوب المستخدم فى نفد العهدين القديم والجديد صالح لنقد القرآن
الكريم 0
وقد أخطأ الاستشراق عده أخطاء حين استعار منهج العلماء الغربيين
الناقدين لليهوديه والنصرانيه لنقد الاسلام وكتابه الكريم ، وقد أخطأ
المتأثرون بالاستشراق من علماء المسلمين حين جهلوا هذه الخلفيه الثقافيه
للمناهج الاستشراقيه ، وحين تجاهلوا الأساس العقلى للدين الاسلامى دين
العقل والفطره ، وخلو هذا الدين الحنيف وكتابه العظيم من الاساطير
والخرافات التى أتهمت بها عن حق اليهوديه والنصرانيه 0
والخطأ الاستشراقى الاول : يكمن فى أخذ منهج غربى صالح للتطبيق
على اليهوديه والنصرانيه وتطبيقه عن تعسف على الاسلام 0
الخطأ الثانى : يتضح فى تجاهل طبيعه الاسباب التى أدت الى تطور
المنهج النقدى العقلى فى الغرب ، وأن هذه الأسباب لم يكن لها وجود
بالنسبه للاسلام 0
الخطأ الثالث : عدم الاعتراف بالاختلافات الجوهريه بين الاسلام من ناحيه
واليهوديه والنصرانيه من ناحيه أخرى ، والالتزام بمنهج واحد فى دراسه
هذه الاديان مجتمعه 0
الخطأ الرابع : فيظهر فى سوء استخدام المنهج العلمى النقدى ، وهو
استخدامه فى حاله الاسلام من أجل التشويه فقط لا غيره ، فهو سلاح
نجح مع اليهوديه والنصرانيه ولا مانع عند المستشرق المغرض غير
الموضوعى من استخدامه لتشويه صوره الاسلام مع علمه التام بعدم
صلاحيه هذا المنهج لدراسه الاسلام 0
ويعتبر المستشرق اليهودى اجناس جولد تسيهر المسئول الأول عن
استعاره هذا المنهج الغربى فى نقد اليهوديه والنصرانيه وتطبيقه على
الاسلام دون مراعاه للأختلاف الجوهرى بين الاسلام وهاتين الديانتين
من حيث عقلانيه الاسلام فى مقابل اسطوريه اليهوديه والنصرانيه ، وكذلك
بالنسبه لكمال الاسلام كدين فى مقابل التطور التاريخى الذى مرت به
اليهوديه والنصرانيه 0 فقد اعتبر جولد تسيهر الاسلام دينا متطورا مثله
مثل اليهوديه والنصرانيه ، بمعنى أنه خاضع للعوامل التاريخيه وما
تتركه من مؤثرات على الدين ، ولذلك فقد أخضع جولد تسيهر الاسلام
لمنهج التأثير والتأثر أعتقاداً منه فى أن الاسلام مر بمراحل تطور ،
وتأثر بغيره من الأديان ، ولذلك يجب اخضاعه لمنهج النقد التاريخى الذى
أخضعت له من قبل اليهوديه والنصرانيه 0 وهى بلا شك محاوله بغيضه
من جولد تسيهر للقضاء على أصاله الدين الاسلامى ، والحكم عليه بأنه
استمد معتقداته من ديانات سابقه عليه أو لاحقه به ، وبأنه دين خاضع
للتطور مثله مثل بقيه الديانات وخاصه اليهوديه والنصرانيه وكما هو
معروف فان جولد تسيهر هو صاحب نظريه التطور الدينى للاسلام
والتى طبقها على العقيده والشريعه على وجه الخصوص0
ويجب التنبيه على الدارس المسلم للاستشراق ان يهتم بتتبع الخلفيه
الثقافيه للاستشراق والمستشرقين ، ومعرفه المنهج الاستشراقى ومصادره
فى الفكر الغربى ، ونقده من حيث عدم صلاحيته للتطبيق على الاسلام
وحضارته ، اذ لم يفرق المستشرق بين مشاكل اليهوديه والنصرانيه ،
واعتبرها مشاكل عامه لكل الاديان ، ومن بينها الاسلام ، وطبق نفس
المنهج بدون تمييز ، وفى حاله تطبيق المنهج النقدى الغربى على الاسلام
كان القصد الاستشراقى الأساسى هو تشويه الدين الاسلامى ، والنيل من
أصالته ، وربطه بالديانات الأخرى ، والقول بأنه متأثر بها بهدف تضييع
الشخصيه الدينيه المستقله للاسلام كدين والتشكيك فى كماله
ويقول د0 محمد عبد الله الشرقاوى فى كتاب (الاستشراق فى الفكر
الاسلامى ص 43 )
لاريب أن الدافع الاول لنشأه الاستشراق فى الغرب هو الدافع الدينى
، فقد بدأ بالرهبان كما رأينا ، واستمر كذلك 0 وهؤلاء كان أكبر همهم
الطعن فى الاسلام ،وتشويه محاسنه ، وتحريف حقائقه ، ليثبتوا
للجماهير الخاضعه لزعامتهم أن الاسلام دين لا يستحق الانتشار، وأن
المسلمين قوم همج لصوص سفاكو دماء ، يحثهم دينهم على الملذات
الجسديه ، ويبعدهم عن كل سمو روحى وخلقى 0
ثم اشتدت حاجتهم الى هذا الهجوم فى العصر الحاضر بعد أن رأوا
الحضاره الحديثه وقد زعزعت أسس العقيده المسيحيه عند الغربيين
وأخذت تشككهم فى كل التعاليم التى كانوا يتلقونها عن رجال الدين
عندهم فيما مضى ، فلم يجدوا خيراً من تشديد الهجوم على الاسلام
لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيده وكتب مقدسه
وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الاسلاميه الأولى ، ثم الحروب
الصليبيه ، ثم الفتوحات العثمانيه فى أوروبا بعد ذلك فى نفوس
الغربيين من خوف من قوه الاسلام ، وكره أهله ، فاستغلوا هذا
الجو النفسى وازدادوا نشاطا - ا0هـ
وسنكتفى بهذين القولين فى هذه النقطه حتى لا نطيل ثم ننتقل فى
مقال قادم بمشيئه الله الى النقطه التاليه من أثار الاستشراق على
واقعنا المسلم ،وكذلك لن يكون لى تعليق الا فى أضيق الحدود
أو اذا أضررت لتوضيح معنى ما ، أو شئ معين 0
واترك أهل التخصص هم الذين يتكلمون كما وعدت فى المقال الاول0
طلعت حجازى
05-25-2010, 02:04 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الجزء الثالث من المقال
فضلاً أقرأ ما سبق
فى المقال السابق تكلمنا عن البند الاول من الآثار السلبيه للاستشراق
على المجتمعات الاسلاميه ، وفى هذا المقال سنتكلم عن البند الثانى وهو:
2- تشويه صوره الاسلام فى الغرب :
ويعتبر هذا البند من أخطر الآثار السلبيه للاستشراق ، فالمسلمون داخل
بلادهم ثابتون على عقيدتهم ، عاملون بها ومطمئنون إليها ، بينما صوره
الاسلام فى الخارج يتم تشويهها وتقديمها فى صوره مزيفه وتعطى انطباعاً
سلبياً للاسلام ، وفى هذا يقول د0 محمد الشرقاوى أستاذ الفلسفه ومقارنه
الاديان المساعد بكليه دار العلوم جامعه القاهره 0 فى كتابه الاستشراق
والغاره على الفكر الاسلامى 0 ص 13 ط0 دار الهدايه:
"وكان من أهم الخطوات التى اتخذتها الكنيسه فى أوروبا لمواجهه مشاعر
الاندهاش والخوف من الاعجاب بالاسلام 0 أن تعمل على تشويه صوره
الاسلام ، وهذا ما يشير إليه مكسيم رودنسون حيث يقول : إن هذه المشاعر
نحو الاسلام قد أدت الى نتيجتين هامتين : أولاهما : السعى نحو وحده
أيديولوجيه أوربيه متكامله فى مواجهه فكر الاسلام وحضارته 0
وأخراها:أن الكنيسه الاوروبيه قد عملت من أجل تثبيت الايمان المسيحى-
على تشويه المنتجات الحضاريه للإسلام ، وما يصل منها الى مسامع
الغربيين 0 " ا-هـ
ولا يخفى علينا كمسلمين أن أحد أهداف الاستشراق الاساسيه حجب المعرفه
الصحيحه عن الاسلام ، حتى لا يؤثر هذا الدين فى أهل الغرب0
ويقول ا0د0 على أبراهيم النمله ، عضو هيئه التدريس بجامعه الإمام
محمد بن سعود الاسلاميه 0 فى كتابه الاستشراق والدراسات الاسلاميه
ص 38 :
" وفى ترجمه للمستشرق الفرنسى الأب (هنرى لامانس ) يذكر " محمود
بدوى أن }أبشع ما فعله خصوصا فى كتابه (فاطمه وبنات النبى ) هو أنه
كان يشير فى الهوامش إلى مراجع بصفحاتها 0 وقد راجعت معظم هذه
الإشارات فى الكتب التى أحال إليها فوجدت أنه إنما يشبر إلى مواضع
غير موجوده إطلاقاً فى هذه الكتب ، أو يفهم النص فهماً خبيثاً ملتوياً ، أو
يستخرج إلزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث النيه ، ولهذا
ينبغى ألا يعتمد القارئ على إشاراته إلى مراجع ، فإن معظمها تمويه وكذب
وتعسف فى فهم النصوص 0 ولا أعرف باحثاً من بين المستشرقين المحدثين
قد بلغ هذه المرتبه من التضليل وفساد النيه "0
وقد أورد – عبد العظيم محمود الديب – نماذج من هذه التجاوزات المتعمده
مع نصوص المصادر الاسلاميه بيّن فيها سيئا من التمويه والكذب والتعسف
فى فهم النصوص الذى يتحدث عنه " محمود بدوى " فى حاله واحده مع
مستشرق واحد 0 وقد أوردت جمله منها فى وقفه سابقه 0 " ا0 هـ
مما سبق يتبين لنا أخوتى الكرام أنها مدرسه واحده على مر العصور
والازمان ، فالذى يفعله زكريا بطرس وأمثاله اليوم هو نفس ما فعله ذاك
المستشرق الهالك قديما وغيره وغيره الكثير0
ونكتفى الى هنا بما سبق فى هذه النقطه حتى لانطيل وننتقل الى النقطه
التاليه فى مقال قادم بمشيئه الله تعالى 0
طلعت حجازى
07-08-2010, 10:35 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
فضلا أقرأ ما سبق
الجزء الرابع من الموضوع :
3-التعظيم من شأن الفرق الدينيه ودورها فى المجتمع الاسلامى :
لا يخفى على المسلم المتتبع للاستشراق تركيزه الشديد على دراسته الخاصه للفرق الدينيه
التى ظهرت فى العالم الاسلامى قديما وحديثا، وكذلك الاهتمام بدراسه أوضاع الاقليات
غير المسلمه داخل المجتمع الاسلامى ،ويهدف الغرب من وراء ذلك الى تعظيم دور الفرق
الدينيه فى المجتمع المسلم والتهويل من شأنها وتأثيرها فى المجتمع الاسلامى . والقصد
من كل هذا هو النيل من وحده الاسلام كدين ، ومن وحده المجتمع الاسلامى ، ووحده
الحضاره الاسلاميه ، فالصوره التى يقدمها الغرب للاسلام تؤكد على عدم وحده العالم
الاسلامى وانقسامه الى فرق دينيه واجتماعيه متعدده ، وتؤكد على وجود عقائد إسلاميه
متعدده ، وبالتالى فهناك عده مجتمعات اسلاميه تتنوع فيها الحياه وتختلف أشكالها بما يؤدى
الى عدم وجود أمه أسلاميه واحده كما يعتقد المسلمون 0
ولا يتوقف الامر عند هذا الحد ، بل يبالغ المستشرقون فى الدور الدينى للفرق، ويعتبرها
مسئوله عما يسميه بتطور العقيده الاسلاميه ، وتعدد الرؤى العقديه يبرزه المستشرقون
على أنه إثراء للاسلام فكريا من خلال تعدد المذاهب والفرق .
وهو بذلك يقصد اظهار الاسلام فى شكل دين يحتوى على عده مذاهب قديمه،
تشبيها له بالوضع فى اليهوديه والنصرانيه ، وقد اتجهوا حديثا وبمساعده التنصير والاحتلال
الى تكوين واستحداث فرق دينيه جديده فى المجتمع المسلم أمثال عبده الشيطان وغيرها
بهدف زياده عوامل الفرقه بين المسلمين والعمل على خلخله التوازن فى المجتمع الاسلامى
ولا يخفى علينا ما فعلته هذه الفرق المعاديه للاسلام أمثال البابيه والبهائيه والقاديانيه وما
تفعله الى الآن فى المجتمع الاسلامى ،
كذلك حثهم الفرق القديمه على الدراسات الخاصه كالشيعه والمعتزله ، وكذلك هذا الحماس
المنقطع النظير الموجه لدراسه التصوف ، كل ذلك لاحياء هذه الفرق من جديد وخلق مكان
لها داخل الفكر الاسلامى والعمل على تفتيت الوحده الدينيه والفكريه للمجتمع الاسلامى ،
وتمزيقه الى عده مجتمعات داخليه تختلف فى العقيده والمذهب والفكر0
ولا يخفى علينا الآن من صراع دائر فى العراق وايران ثم امتد الى اليمن وكذلك ما هو
حادث جنوب السودان ، فالمتتبع لحال المنطقه الاسلاميه ومجتمعاتها ، لايصعب عليه اكتشاف
أنها محاطه بكم هائل من الصراعات العقديه والمذهبيه ، الذى هو ناتج عن فعل الاستشراق
والتنصير والاحتلال ، لاأقول للثروات الاسلاميه فقط وانما للفكر الاسلامى فى مجتمعاته0
ثم تأتى بعد ذلك هذه الهاله التى صنعها الغرب بواسطه المستشرقين لفكر التصوف وهذا
الاهتمام الكبير التى اولاه الغرب لهذا الفكر ، بل تفرغ له عمالقه الفكر الاستشراقى فى
القرنين الماضيين نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر نكلسون ، وهنرى كوربان ،ولويس
ماسينيون ،ومارجريت سميث ، بالاضافه الى الكثير من المستشرقين الذين جعلوا التصوف
أحد أبرز اهتماماتهم 0
ومن أهم هذه الاهتمامات ، تشجيع المتصوفه والعمل على مساعدتهم فى احياء طرقهم من
اجل مزيد من التفتيت للمشاعر الدينيه عند المسلمين ، واظهار المجتمع الاسلامى فى صوره
مجتمع مفكك دينيا ، ويحتوى على العديد من المذاهب المغايره للعقيده الاسلاميه عند أهل
السنه والجماعه 0
ولم يتوقف الامر عند هذا الحد ، بل نشروا هذا الفكر وهللوا له فى كل الغرب على انه
يمثل الروح الدينيه الحقيقيه فى الاسلام 0
كما يقول الدكتور زقزوق :
انه يمثل عندهم الاسلام الحى "فإسلام الكتاب والسنه يعد فى نظرهم -أى المستشرقين -
أمثال المستشرق كيلسنج ، وهو مستشرق معاصر 0 يعد اسلاما ميتا.
أما الاسلام الحى الذى يجب الاهتمام به ودراسته فهو ذلك الاسلام المنتشر بين فرق
الدراويش فى مختلف الاقطار الاسلاميه "(الاستشراق والخلفيه الفكريه ،ص 116 )زقزوق
ومن الاسباب الهامه لاهتمام الغرب بالتصوف ، أن التصوف عند المسلمين متأثر بأشكال
التصوف المعروفه عند الهندوكيه والبوذيه واليهوديه والنصرانيه ، ولهذا فالتصوف عامل
تقريب بين الاسلام والديانات الاخرى وخاصه النصرانيه ، التى اعتبرها بعض المستشرقين
أحد المنابع للتصوف عند المسلمين ، ويرتبط بهذا السبب سبب آخر مهم وهو أن التصوف
أحد العوامل المساعده فى ضرب أصاله الدين الاسلامى واستقلاليته كدين 0
فإذا تم الربط فكريا بين الاسلام من خلال التصوف ودينيا بأديان أخرى ، والقول باعتماد
الاسلام على هذه الاديان فى استعاره معظم عقائدها ومفاهيمها .(كما أراد أن يفعل زكريا
بطرس وشاروش وغيرهم ) ، سقطت استقلاليه الاسلام كدين .
والغرب يعلم تمام العلم أن التصوف ممارسه دينيه مرفوضه عند أهل السنه والجماعه ،
ومع ذلك يركزون على ابرازه وتصويره بأنه يمثل الروح الحقيقيه للاسلام 0
فاشتراك الصوفيه مع النصرانيه فى مسأله الحلول والاتحاد والتجسيد ووحده الوجود . فكل
هذه المصطلحات للألوهيه معروفه فى النصرانيه ،وقد قال بها بعض غلاه التصوف مثل
الحلاج وابن عربى .فكل هذه المصطلحات الصوفيه تتعارض مع النظره الاسلاميه الى طبيعه
الألوهيه 0
فهذا التشابه بين الصوفيه والنصرانيه والهندوكيه والبوذيه يحاول الغرب والمستشرقين الى
التأكيد عليه من كل الوجوه لأثبات عدم أصاله وتفرد الدين الاسلامى ، والادعاء بأن
الاسلام مأخوذ من ديانات سابقه كاليهوديه والنصرانيه وغيرها ، وقد أنصبت الكثير من
الدراسات التى ترد تعاليم الاسلام وعباداته الى أصول فى ديانات أخرى ، ويزعمون فى
هذا الخصوص بمبدأ التأثير والتأثر ، والقول بأن الدين السابق يؤثر فى الدين اللاحق 0
فخلاصه الامر ومما تقدم يتضح لنا جليا السعى الدائم والحثيث من قبل الغرب والمستشرقين
والمنصرين الى احداث تغيير دينى فى المجتمعات الاسلاميه من خلال دعمهم للفرق المخالفه
للاسلام وعلى رأسها الشيعه والبهائيه والبابيه وغيرها لاحداث الثورات والتمرد ومحاربه مجتمع
أهل السنه والجماعه ، حتى تتمزق الامه الاسلاميه ويتحقق للغرب مأربه ، وهم ناجحون
الى الآن فى ذلك 0
ونسأل الله أن يعيد للأمه الاسلاميه سابق عهدها ومجدها 0