طلعت حجازى
10-06-2010, 10:41 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سبق الحديث عن قواعد معتقد السلف الصالح فى باب أسماء الله تعالى
وصفاته وأفعاله فى موضوع ( القواعد السلفيه فى أسماء وصفات رب البريه )
وأوضحنا كيف أن السلف الصالح يثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته رسوله
صلى الله عليه وسلم من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولاتحريف
ولاتعطيل.
وأن ماأثبته الله تعالى لنفسه من ذلك فهو حق ليس فيه الغاز ولا أحاجى
، بل معناه يُعرف من حيث يُعرف مقصود المتكلم لا سيما أن المتكلم أعلم
الخلق بما يقول وأفصح الخلق بياناً للعلم ، وأوضح الخلق فى البيان والتصريف
والدلاله والارشاد .
أما المذاهب التى خالفت مذهب السلف الصالح فلهم قواعد بُنيت عليها تلك المذاهب
وتلك المعتقدات .
فأول هذه القواعد :
قياسهم الخالق سبحانه بالقوانين والمقاييس التى تحكم المخلوق .
فلم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو خاص بالمخلوق ، وهذا ممنوع
فى الأصل ، أن يقاس الله تعالى أبتداء على خلقه أو أن يمثلوا صفات الله
بصفات المخلوقين ، فالله تعالى أثبت لنفسه الوحدانيه فى ذاته وصفاته وأفعاله
فقال:
(ليس كمثله شئ ) الشورى 11
وقال :
(هل تعلم له سمياً ) مريم 65
وقال :
(ولم يكن له كفواً أحد ) الاخلاص 4
فأثبت الصفات اللائقه بجلاله وكماله كما تقدم ، فعُلم أن استواءه ، ونزوله،
ويده ، ووجهه ، وقدمه ، ويمينه ، وأصابعه ، وكل ما أثبت لنفسه سبحانه
وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، مخالف فى الأصل لاستواء المخلوق
ونزوله ويده ووجهه وقدمه وسمعه وعينه وأصابعه .
ومن دقق النظر فى قول الإمام مالك رحمه الله :
الاستواء منه غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعه .
علم أن الإمام مالك رحمه الله فرق بين الخالق والمخلوق فى الاستواء
فمالك أثبت الاستواء بناءاً على أصل واضح هو انفراد الرب سبحانه بصفاته
وأفعاله ونفى المثيل والشريك .
ونأتى إلى بعض الامثله من كتب الذين عطلوا وبدلوا ونفوا صفات الله تعالى
بهذه القاعده السالف ذكرها .
قال الفخر الرازى فى كتابه (أساس التقديس ) .
فى بيان السبب الأول لوجوب تغيير ما دل عليه الكتاب والسُنه من أمور
حقيقيه الى أشياء معنويه مجازيه ، قال :
ورد فى القرآن الكريم ذكر الوجه وذكر العين وذكر الايدى وذكر الساق
الواحده فلو أخذنا بالظاهر ، يلزمنا أثبات شخص له وجه واحد ، على هذا
الوجه أعين كثيره وعليه آيادى كثيره وله ساق واحده ، ولا ترى فى الدنيا
شخصأ أقبح صوره من هذه الصوره المتخيله .
(أساس التقديس _ ص 105 ) تحقيق أحمد حجازى السقا .
فالرازى وهو من الرواد الأوائل فى الفلسفه ، تخيل فى ذهنه صوره صوره
قبيحه لربه رسمتها الآيات القرآنيه حسب زعمه ، فحاول أن ينفى تلك الصوره
فقام بتكذيب القرآن بما دل عليه المعنى الحقيقى .
فكل بلاءات أهل البلاء وضلالات أهل الضلال دخلت من هذا الباب وذلك
لوقوعهم فى المحاذير الآتيه :
1_ انهم رسموا صوره لله عز وجل كصوره الانسان ، وجعلوا صوره
الانسان هى أصل القياس لصوره الرب .
2_ أن كلام الله يُلزم بتكوين تلك الصوره التى فهموها .
وهذا بهتان عظيم فالله تعالى لايقول كلاماً لازمه أنه سبحانه بهذه الكيفيه
التى حاول نفيها الرازى وكل أهل التأويل .
3_ أن هذه اللوازم خفيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنه
لم يثبت عنه صلوات ربى وسلامه عليه أنه غير معناها إلى أمور
مجازيه لا تدل على الحقيقه ، وفى هذا وصف وإلزام لهم بأنهم أعلم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا محض افتراء .
4_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علم تلك الامور اللازمه
وتركها تدل على هذه الصوره التى ذكرها الرازى بهذه البشاعه وأوجب
التأويل والتبديل من أجلها دون نص صريح منه صلوات ربى وسلامه
عليه بوجوب التأويل ، فما بلغ البلاغ المبين وترك الناس قروناً فى
الضلال حتى أتى هؤلاء ليوضحوا للناس أن الرسول صلى الله عليه
وسلم وصف ربه بالنقص فيجب أن نغير كلامه بالتأويل حتى يدل على
الكمال الواجب .
5_ كذلك يلزمهم وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ورضوان الله عنهم جميعاً ، بضيق الافق وعدم الفهم لأنه خفيت عليهم
هذه الصوره التى رسمتها الآيات القرآنيه .
وكل هذا منقوض بقوله صلى الله عليه وسلم :
( خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) البخارى
برقم 3650
القاعده الثانيه :
قياس الخالق بالمقاييس الارضيه التى يقاس بها المخلوق .
بهذه القاعده وقعوا فى أمرين فى غايه الخطوره ، الأول :
أنهم كذبوا بآيات القرآن الكريم الوارده فى وصف الله تعالى ، كما فعل
الجهم بن صفوان وصرح به (مؤسس طائفه الجهميه ) .
قال أبو نعيم البلخى وكان قد أدرك جهماً :
كان لجهم بن صفوان صاحب يكرمه ويقدمه على غيره ، فإذا هو (أى
الصاحب ) قد وقع فيه (أى فى جهم ) ، فقلت له لقد كان يكرمك .
فقال : إنه قد جاء منه مالا يحتمل ، فبينما هو يقرأ "طه " والمصحف
فى حِجره فلما أتى على هذه الآيه (الرحمن على العرش استوى ) قال:
(أى جهم بن صفوان ): لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف
لفعلت ، قال (أى الصاحب ): فاحتملت هذه .
ثم أنه بينما يقرأ آيه ، إذ قال : ما أظرف محمدأ حين قالها .
ثم بينما يقرأ "طه" القصص والمصحف فى حِجره إذ مر بذكر موسى
فدفع المصحف بيده ورجليه ، وقال أى شئ هذا ؟
( مختصر العلو للعلى الغفار ) ص 162
فانظر أخى الكريم لا يمكن أن يستقيم قرآن رب العالمين مع قواعد المخالفين .
الأمر الثانى :
أنهم حولوا مدلول الآيات إلى أمور معنويه مجازيه لاتدل على حقيقه مُعينه،
وذلك أخف النارين فى أعتقادهم .
وإليك أخى الحبيب بعض الأمثله التى تدل على تعسفهم فى إبطال المعانى
الحقيقيه من كتبهم .
1- يقول الزمخشرى( المعتزلى )فى قوله تعالى :
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق 30
وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في
القلب وتثبيته [الكشاف ] ط الحلبى ج4 ص9
وقال أيضاً :
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) الملك 16
{ مَّن فِى السمآء } فيه وجهان : أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها
مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها تنزل قضاياه
وكتبه وأوامره ونواهيه . والثاني : أنهم كانوا يعتقدون التشبيه ،
وأنه في السماء ، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه ، وكانوا يدعونه
من جهتها ، فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من تزعمون أنه
في السماء ، وهو متعال عن المكان ، [المصدر السابق تفسير سوره الملك ]
فأنظر أخى أكرمك الله كيف حول المعنى من (من فى السماء )إلى مسكن
الملائكه ، أو على أن الله يخاطبهم على زعمهم الذى يعتقدون .
قال الرازى فى [أساس التقديس ]
(الرحمن على العرش استوى ) طه 5
يجب أن يكون معناها الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان الاحكام الالهيه
[ أساس التقديس - ص 202 ]
والكلام فى هذا الباب كثير جداً ولا يتسع المقام لسرد المزيد .
ولكن قد يسأل سائل ما الدافع الذى جرهم وما الدليل عليه ؟
الدافع الذى جرهم الى ذلك هو حكم العقل الذى يرتضيه كل شخص على ما
يراه فى نفسه من الهوى والاستدلال الباطل بكلام الفلاسفه .
وأما الدليل الذى ارتضوه لأنفسهم ، هو ما ختم به الرازى الباب الاول من
كتابه [أساس التقديس ] حيث قال :
ونختم هذا الباب بما ورد عن ارسطاطاليس (أرسطو ) أنه كتب فى أول
كتاب الالهيات :
من أراد أن يشرع فى المعارف الالهيه فليستخدم لنفسه فطره أخرى . اهـ
قال الشيخ رضى الله عنه _ ابن سينا الرئيس _ موضحاً كلام أرسطو :
إذا تأمل الانسان فى أحوال الاجرام السفليه والعلويه ، وتأمل فى صفاتها فذلك
له قانون ، فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفه الربوبيه وجب أن يستحدث لنفسه
فطره أخرى وعقلاً آخر بخلاف العقل الذى به اهتدى إلى معرفه الجسمانيات .
[أساس التقديس - ص 25 ]
وهذه العقيده التى أُخذت عن أرسطو هى التى جرت عليهم وعلى الكثير من
المسلمين البلاء .
أخى الكريم ، هذا هو أعتقاد المخالفين لمنهج السلف الصالح فى باب ذات الله
تعالى وصفاته وأفعاله ، فهؤلاء الذين بدلوا معنى النصوص الثابته من الحقيقه
إلى الخيال والمجاز .
ومن هؤلاء من رجع عن ذلك قبل موته ، كما صرح الرازى برجوعه فقال :
"لقد تأملت الطرق الكلاميه والمناهج الفلسفيه فما رأيتها تشفى عليلاً ولا تروى
غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقه القرآن " ، ثم قال :
" من جرب مثل تجربتى عرف معرفتى " .
[كتاب أقسام الذات للرازى ، نقلاً عن كتاب موافقه صحيح المنقول لصريح المعقول ]
(ص - 131 -)
وأسأل الله العلى القدير أن يهدى كل المخالفين
وأن يعودوا إلى الحق المبين .
سبق الحديث عن قواعد معتقد السلف الصالح فى باب أسماء الله تعالى
وصفاته وأفعاله فى موضوع ( القواعد السلفيه فى أسماء وصفات رب البريه )
وأوضحنا كيف أن السلف الصالح يثبتون لله ما أثبته لنفسه وما أثبته رسوله
صلى الله عليه وسلم من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل ولاتحريف
ولاتعطيل.
وأن ماأثبته الله تعالى لنفسه من ذلك فهو حق ليس فيه الغاز ولا أحاجى
، بل معناه يُعرف من حيث يُعرف مقصود المتكلم لا سيما أن المتكلم أعلم
الخلق بما يقول وأفصح الخلق بياناً للعلم ، وأوضح الخلق فى البيان والتصريف
والدلاله والارشاد .
أما المذاهب التى خالفت مذهب السلف الصالح فلهم قواعد بُنيت عليها تلك المذاهب
وتلك المعتقدات .
فأول هذه القواعد :
قياسهم الخالق سبحانه بالقوانين والمقاييس التى تحكم المخلوق .
فلم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو خاص بالمخلوق ، وهذا ممنوع
فى الأصل ، أن يقاس الله تعالى أبتداء على خلقه أو أن يمثلوا صفات الله
بصفات المخلوقين ، فالله تعالى أثبت لنفسه الوحدانيه فى ذاته وصفاته وأفعاله
فقال:
(ليس كمثله شئ ) الشورى 11
وقال :
(هل تعلم له سمياً ) مريم 65
وقال :
(ولم يكن له كفواً أحد ) الاخلاص 4
فأثبت الصفات اللائقه بجلاله وكماله كما تقدم ، فعُلم أن استواءه ، ونزوله،
ويده ، ووجهه ، وقدمه ، ويمينه ، وأصابعه ، وكل ما أثبت لنفسه سبحانه
وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، مخالف فى الأصل لاستواء المخلوق
ونزوله ويده ووجهه وقدمه وسمعه وعينه وأصابعه .
ومن دقق النظر فى قول الإمام مالك رحمه الله :
الاستواء منه غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ،
والسؤال عنه بدعه .
علم أن الإمام مالك رحمه الله فرق بين الخالق والمخلوق فى الاستواء
فمالك أثبت الاستواء بناءاً على أصل واضح هو انفراد الرب سبحانه بصفاته
وأفعاله ونفى المثيل والشريك .
ونأتى إلى بعض الامثله من كتب الذين عطلوا وبدلوا ونفوا صفات الله تعالى
بهذه القاعده السالف ذكرها .
قال الفخر الرازى فى كتابه (أساس التقديس ) .
فى بيان السبب الأول لوجوب تغيير ما دل عليه الكتاب والسُنه من أمور
حقيقيه الى أشياء معنويه مجازيه ، قال :
ورد فى القرآن الكريم ذكر الوجه وذكر العين وذكر الايدى وذكر الساق
الواحده فلو أخذنا بالظاهر ، يلزمنا أثبات شخص له وجه واحد ، على هذا
الوجه أعين كثيره وعليه آيادى كثيره وله ساق واحده ، ولا ترى فى الدنيا
شخصأ أقبح صوره من هذه الصوره المتخيله .
(أساس التقديس _ ص 105 ) تحقيق أحمد حجازى السقا .
فالرازى وهو من الرواد الأوائل فى الفلسفه ، تخيل فى ذهنه صوره صوره
قبيحه لربه رسمتها الآيات القرآنيه حسب زعمه ، فحاول أن ينفى تلك الصوره
فقام بتكذيب القرآن بما دل عليه المعنى الحقيقى .
فكل بلاءات أهل البلاء وضلالات أهل الضلال دخلت من هذا الباب وذلك
لوقوعهم فى المحاذير الآتيه :
1_ انهم رسموا صوره لله عز وجل كصوره الانسان ، وجعلوا صوره
الانسان هى أصل القياس لصوره الرب .
2_ أن كلام الله يُلزم بتكوين تلك الصوره التى فهموها .
وهذا بهتان عظيم فالله تعالى لايقول كلاماً لازمه أنه سبحانه بهذه الكيفيه
التى حاول نفيها الرازى وكل أهل التأويل .
3_ أن هذه اللوازم خفيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أنه
لم يثبت عنه صلوات ربى وسلامه عليه أنه غير معناها إلى أمور
مجازيه لا تدل على الحقيقه ، وفى هذا وصف وإلزام لهم بأنهم أعلم
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا محض افتراء .
4_ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو علم تلك الامور اللازمه
وتركها تدل على هذه الصوره التى ذكرها الرازى بهذه البشاعه وأوجب
التأويل والتبديل من أجلها دون نص صريح منه صلوات ربى وسلامه
عليه بوجوب التأويل ، فما بلغ البلاغ المبين وترك الناس قروناً فى
الضلال حتى أتى هؤلاء ليوضحوا للناس أن الرسول صلى الله عليه
وسلم وصف ربه بالنقص فيجب أن نغير كلامه بالتأويل حتى يدل على
الكمال الواجب .
5_ كذلك يلزمهم وصف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
ورضوان الله عنهم جميعاً ، بضيق الافق وعدم الفهم لأنه خفيت عليهم
هذه الصوره التى رسمتها الآيات القرآنيه .
وكل هذا منقوض بقوله صلى الله عليه وسلم :
( خير القرون قرنى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ) البخارى
برقم 3650
القاعده الثانيه :
قياس الخالق بالمقاييس الارضيه التى يقاس بها المخلوق .
بهذه القاعده وقعوا فى أمرين فى غايه الخطوره ، الأول :
أنهم كذبوا بآيات القرآن الكريم الوارده فى وصف الله تعالى ، كما فعل
الجهم بن صفوان وصرح به (مؤسس طائفه الجهميه ) .
قال أبو نعيم البلخى وكان قد أدرك جهماً :
كان لجهم بن صفوان صاحب يكرمه ويقدمه على غيره ، فإذا هو (أى
الصاحب ) قد وقع فيه (أى فى جهم ) ، فقلت له لقد كان يكرمك .
فقال : إنه قد جاء منه مالا يحتمل ، فبينما هو يقرأ "طه " والمصحف
فى حِجره فلما أتى على هذه الآيه (الرحمن على العرش استوى ) قال:
(أى جهم بن صفوان ): لو وجدت السبيل إلى أن أحكها من المصحف
لفعلت ، قال (أى الصاحب ): فاحتملت هذه .
ثم أنه بينما يقرأ آيه ، إذ قال : ما أظرف محمدأ حين قالها .
ثم بينما يقرأ "طه" القصص والمصحف فى حِجره إذ مر بذكر موسى
فدفع المصحف بيده ورجليه ، وقال أى شئ هذا ؟
( مختصر العلو للعلى الغفار ) ص 162
فانظر أخى الكريم لا يمكن أن يستقيم قرآن رب العالمين مع قواعد المخالفين .
الأمر الثانى :
أنهم حولوا مدلول الآيات إلى أمور معنويه مجازيه لاتدل على حقيقه مُعينه،
وذلك أخف النارين فى أعتقادهم .
وإليك أخى الحبيب بعض الأمثله التى تدل على تعسفهم فى إبطال المعانى
الحقيقيه من كتبهم .
1- يقول الزمخشرى( المعتزلى )فى قوله تعالى :
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) ق 30
وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في
القلب وتثبيته [الكشاف ] ط الحلبى ج4 ص9
وقال أيضاً :
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ) الملك 16
{ مَّن فِى السمآء } فيه وجهان : أحدهما من ملكوته في السماء؛ لأنها
مسكن ملائكته وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ ، ومنها تنزل قضاياه
وكتبه وأوامره ونواهيه . والثاني : أنهم كانوا يعتقدون التشبيه ،
وأنه في السماء ، وأنّ الرحمة والعذاب ينزلان منه ، وكانوا يدعونه
من جهتها ، فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من تزعمون أنه
في السماء ، وهو متعال عن المكان ، [المصدر السابق تفسير سوره الملك ]
فأنظر أخى أكرمك الله كيف حول المعنى من (من فى السماء )إلى مسكن
الملائكه ، أو على أن الله يخاطبهم على زعمهم الذى يعتقدون .
قال الرازى فى [أساس التقديس ]
(الرحمن على العرش استوى ) طه 5
يجب أن يكون معناها الاستيلاء والقهر ونفاذ القدر وجريان الاحكام الالهيه
[ أساس التقديس - ص 202 ]
والكلام فى هذا الباب كثير جداً ولا يتسع المقام لسرد المزيد .
ولكن قد يسأل سائل ما الدافع الذى جرهم وما الدليل عليه ؟
الدافع الذى جرهم الى ذلك هو حكم العقل الذى يرتضيه كل شخص على ما
يراه فى نفسه من الهوى والاستدلال الباطل بكلام الفلاسفه .
وأما الدليل الذى ارتضوه لأنفسهم ، هو ما ختم به الرازى الباب الاول من
كتابه [أساس التقديس ] حيث قال :
ونختم هذا الباب بما ورد عن ارسطاطاليس (أرسطو ) أنه كتب فى أول
كتاب الالهيات :
من أراد أن يشرع فى المعارف الالهيه فليستخدم لنفسه فطره أخرى . اهـ
قال الشيخ رضى الله عنه _ ابن سينا الرئيس _ موضحاً كلام أرسطو :
إذا تأمل الانسان فى أحوال الاجرام السفليه والعلويه ، وتأمل فى صفاتها فذلك
له قانون ، فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفه الربوبيه وجب أن يستحدث لنفسه
فطره أخرى وعقلاً آخر بخلاف العقل الذى به اهتدى إلى معرفه الجسمانيات .
[أساس التقديس - ص 25 ]
وهذه العقيده التى أُخذت عن أرسطو هى التى جرت عليهم وعلى الكثير من
المسلمين البلاء .
أخى الكريم ، هذا هو أعتقاد المخالفين لمنهج السلف الصالح فى باب ذات الله
تعالى وصفاته وأفعاله ، فهؤلاء الذين بدلوا معنى النصوص الثابته من الحقيقه
إلى الخيال والمجاز .
ومن هؤلاء من رجع عن ذلك قبل موته ، كما صرح الرازى برجوعه فقال :
"لقد تأملت الطرق الكلاميه والمناهج الفلسفيه فما رأيتها تشفى عليلاً ولا تروى
غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقه القرآن " ، ثم قال :
" من جرب مثل تجربتى عرف معرفتى " .
[كتاب أقسام الذات للرازى ، نقلاً عن كتاب موافقه صحيح المنقول لصريح المعقول ]
(ص - 131 -)
وأسأل الله العلى القدير أن يهدى كل المخالفين
وأن يعودوا إلى الحق المبين .