التائب إلى الله
04-07-2008, 06:13 PM
الزواج تاج الفضيلة
الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله
الزواج سنّة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } [الرعد: 38].
وهو سبيل المؤمنين، استجابة لأمر الله سبحانه: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [النور:32-33].
فهذا أمرٌ من الله عز شأنه للأولياء بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامي -جمع أيم: وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء-، وهو من باب أولى أمر لهم بإنكاح أنفسهم طلباً للعفة والصيانة من الفاحشة. واستجابة لأمر رسول الله فيما رواه ابن مسعود أن رسول الله قال: « يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء » متفق على صحته.
والزواج تلبية لما في النوعين: الرجل والمرأة من غريزة النكاح -الغريزة الجنسية- بطريق نظيف مثمر.
ولهذه المعاني وغيرها لا يختلف المسلمون في مشروعية الزواج، وأن الأصل فيه الوجوب لمن خاف على نفسه العنت والوقوع في الفاحشة، لا سيما مع رقة الدين، وكثرة لمغريات، إذ العبد ملزم بإعفاف نفسه، وصرفها عن الحرام، وطريق ذلك: الزواج.
ولذا استحبَّ العلماء للمتزوج أن ينوي بزواجه إصابة السنة، وصيانة دينه وعرضه، ولهذا نهى الله سبحانه عن العَضْلِ، وهو: منع المرأة من الزواج، قال الله تعالى: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } [البقرة: 232].
ولهذا أيضاً عظَّم الله سبحانه شأن الزواج، وسَمَّى عقده: { مِّيثَاقاً غَلِيظاً } في قوله تعالى: { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } [النساء: 21].
وانظر إلى نضارة هذه التسمية لعقد النكاح، كيف تأخذ بمجامع القلوب، وتحيطه بالحرمة والرعاية، فهل يبتعد المسلمون عن اللقب الكنسي (العقد المقدّس) الوافد إلى كثير من بلاد المسلمين في غمرة اتباع سَنَن الذين كفروا ؟!!
فالزواج صلة شرعية تُبْرم بعقد بين الرجل والمرأة بشروطه وأركانه المعتبرة شرعاً. ولأهميته قَدَّمه أكثر المحدِّثين والفقهاء على الجهاد، ولأن الجهاد لا يكون إلا بالرجال، ولا طريق له إلا بالزواج، وهو يمثل مقاماً أعلى في إقامة الحياة واستقامتها، لما ينطوي عليه من المصالح العظيمة، والحكم الكثيرة، والمقاصد الشريفة، منها:
1 ـ حفظ النسل وتوالد النوع الإنساني جيلاً بعد جيل، لتكوين المجتمع البشري، لإقامة الشريعة وإعلاء الدين، وعمارة الكون، وإصلاح الأرض، قال الله تعالى: { يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } الآية [النساء:1] ، وقال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } [الفرقان:54]. أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنساباً وأصهاراً متفرقين ومجتمعين، والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فسبحان الله القادر البصير.
ولذا حثَّ النبي على تكثير الزواج، فعن أنس أن رسول الله قال: « تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » رواه الإمام أحمد في مسنده.
وهذا يرشح الأصل المتقدم للفضيلة: (القرار في البيوت) لأن تكثير النسل غير مقصود لذاته، ولكن المقصود -مع تكثيره- صلاحه واستقامته وتربيته وتنشئته، ليكون صالحاً مصلحاً في أمته وقُرَّة عين لوالديه، وذِكراً طيباً لهما بعد وفاتهما، وهذا لا يأتي من الخرّاجة الولاّجة، المصروفة عن وظيفتها الحياتية في البيت، وعلى والده الكسب والإنفاق لرعايته، وهذا من أسباب الفروق بين الرجل والمرأة.
2 ـ حفظ العرض، وصيانة الفرج، وتحصيل الإحصان، والتحلي بفضيلة العفاف عن الفواحش والآثام. وهذا المقصد يقتضي تحريم الزنى ووسائله من التبرج والاختلاط والنظر، ويقتضي الغيرة على المحارم من الانتهاك، وتوفير سياجات لمنع النفوذ إليها، ومن أهمها: ضرب الحجاب على النساء، فانظر كيف انتظم هذان المقصدان العمل على توفير أصول الفضيلة -كما تقدم- .
3 ـ تحقيق مقاصد الزواج الأخرى: من وجود سكن تطمئن فيه الزوجة من الكدر والشقاء، والزوج من عناء الكد والكسب: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف } [البقرة:228] .
فانظر كيف تتم صلة ضعف النساء بقوة الرجال، فيتكامل الجنسان.
والزواج من أسباب الغنى ودفع الفقر والفاقة، قال الله تعالى: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [النور:32].
والزواج يرفع كل واحد منهما من عيشة البطالة والفتنة إلى معاش الجد والعفة، ويتم قضاء الوطر واللذة والاستمتاع بطريقه المشروع: الزواج .
وبالزواج يستكمل كل من الزوجين خصائصه، وبخاصة استكمال الرجل رجولته لمواجهة الحياة وتحمل المسؤولية. وبالزواج تنشأ علاقة بين الزوجين مبنية على المودة والرحمة والعطف والتعاون، قال الله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم:21].
وبالزواج تمتد الحياة موصولة بالأسر الأخرى من القرابات والأصهار، مما يكون له بالغ الأثر في التناصر والترابط وتبادل المنافع. إلى آخر ما هنالك من المصالح التي تكثر بكثرة الزواج، وتقل بقلته، وتفقد بفقده.
وبالوقوف على مقاصد الزواج، تعرف مضار الانصراف عنه؛ من انقراض النسل، وانطفاء مصابيح الحياة، وخراب الديار، وقبض العفة والعفاف، وسوء المنقلب.
ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: ضعف التربية الدينية في نفوس الناشئة، فإن تقويتها بالإيمان يكسبها العفة والتصون، فيجمع المرء جهده لإحصان نفسه { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } [الطلاق:2].
ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: تفشي أوبئة السفور والتبرج والاختلاط؛ لأن العفيف يخاف من زوجة تستخف بالعفاف والصيانة، والفاجر يجد سبيلاً محرماً لقضاء وطره، متقلباً في بيوت الدعارة -نعوذ بالله من سوء المنقلب-.
فواجب لمكافحة الإعراض عن الزواج: مكافحة السفور والتبرج والاختلاط، وبهذا يُعلم انتظام الزواج لأصول الفضيلة المتقدمة.
المنهج النبوي في التعامل مع النساء
لقد أمر الله تعالى بأن يُعاشر النساء بالمعروف فقال جل ذكره: (وعاشروهن بالمعروف) والمعروف كلمة جامعة لكل فعل وقول وخلق نبيل، يقول الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في التفسير: أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه.
لقد كان عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة لأمته، والنموذج البشري الكامل، قال جلّ ذكره: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) والحديث عن هديه عليه الصلاة والسلام مع النساء حديث طويل متشعب، ولا غرو فقد أوضح لأمته: (أنهن شقائق الرجال) ولعلي أقصر حديثي عن هديه الشريف مع نسائه، أو بعبارة أخرى: كيف عاش عليه الصلاة والسلام زوجًا؟ وكيف تعامل مع نسائه؟ وكيف راعى نفسياتهن؟ وما هي وصاياه وإرشاداته للرجال بضرورة رعاية حقهن زوجات، وأمهات لأولادهم؟ وحسبي أن أسوق بعض الأحاديث دون شرح أو تعليق، فهي كافية في إيضاح المراد مكتفيا بالإشارة إلى بعض ما تدل عليه تلك الأحاديث الشريفة:
* فقد أوصى بهن خيرًا في نصوص كثيرة: منها حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) وحديث أبي ذر عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها فدارها تعش بها). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خيارهم لنسائهم) وفي لفظ (وألطفهم بأهله).
وعن بهز قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها و ما ندع؟ قال: (حرثك أنى شئت، غير أن لا تقبح الوجه، ولا تضرب، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تهجرها إلا في بيتها، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها).
* وخوّف ورهّب من تزوج بأكثر من واحدة ثم لم يعدل بينهن: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل).
* وأرشد بفعاله ومقاله إلى أهمية مراعاة ما طبعن عليه من الغيرة: عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام، فضربت يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: غارت أمكم كلوا، فأكلوا فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها"، وعن عائشة قالت: "افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فقلت بأبي وأمي إنك لفي شأن، وإني لفي آخر"، وقالت أيضاً: " التمست رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخلت يدي في شعره، فقال: قد جاءك شيطانك! فقلت: أما لك شيطان؟ قال: بلى، ولكن الله أعانني عليه فأسلم".
* وكان وفيا لبعض نسائه غاية الوفاء حتى بعد وفاتهن: فعن عائشة قالت: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين ".
* كما كان عليه الصلاة والسلام يتيح لهن أن ينفذن شيئًا من غيرتهن بحيث لا يتجاوزن الحد المشروع، ويضفي على سلوكهن ذلك المرح والابتسامة: فعن أبي سلمة قال: قالت عائشة: ''زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها فعملت لها حريرة، أو قال: خزيرة، فقلت: كلي فأبت، فقلت لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد مني، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فإذا عمر يقول: يا عبد الله بن عمر! يا عبد الله بن عمر! فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''قوما فاغسلا وجوهكما فلا أحسب عمر إلا داخلا''.
* بل إنه عليه الصلاة والسلام بيّن لأمته أن اللهو واللعب مع الزوجة مما يثاب عليه الرجل، بل لا يعد من اللهو أصلاً: ففي حديث عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر كسلت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو، إلا أربعة خصال مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة).
* وكان يراعي فيهن حالهن والسن التي كان عليها بعضهن: فعن عائشة قالت: (كنت ألعب بالبنات، فربما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصواحباتي عندي، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم فررن، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت، وكما أنتن).
* وكان إذا بدر منهن شيء يسوؤه لم يكن يقابله إلا بالحكمة واللطف: فعن أنس بن مالك قال: كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك يومها، فأبطت في المسير، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، وتقول حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينيها ويسكتها، فأبت إلا بكاء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها، فقدمت فأتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنت أرضيتيه عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء، ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟, فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فرضي عن صفية وانطلق إلى زينب فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك, قالت زينب أتعمد إلى بعيري فتعطيه اليهودية, فهاجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر، فلم يقرب بيتها، وعطلت زينب نفسها، وعطلت بيتها، وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخر البيت، وأيست أن يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هي ذات يوم إذا بوجس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل البيت فوضع السرير موضعه، فقالت زينب: يا رسول الله جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها).
ولا يُولِج الكفّ لـيَعلَم البثّ
حدّثت الصّدّيقة بنت الصّدّيق رضي الله عنها أن إحدى عشرة امرأة جلسن فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ..
فقالت السادسة : زوجي إن أكل لفّ ، وإن شرب اشتفّ ، وإن اضطجع التفّ ، ولا يولج الكفّ ليعلم البث . والحديث بطوله رواه البخاري ومسلم ، وهو مشهور بحديث أم زرع .
والحديث مليء بالفوائد ، وقد ألفّ فيه بعض العلماء تأليفا خاصاً .
والذي يهمنا في هذا المقام هو حديث المرأة السادسة في ترتيب المتكلِّمات من تلك النسوة
قالت في معرض الذمّ لزوجها :
إن أكل لفّ
وإن شرب اشتفّ
وإن اضطجع التفّ
ولا يولج الكفّ
ليعلم البثّ
فهي تذمّـه بأنه إذا أكلّ الطعام لفّـه لفّـاً ، بحيث يأكل بِـنَـهم ، أو أنه لا يُبقي لها شيئا !
وهي تذمّـه بأنه إذا شرب اشتفّ فأصدر صوتا لشُربِه !
كما تذمّـه بأنه يلتف بملحفته إذا أوى إلى فراشه ، فكأنه لا يُعاشر أحداً ، ولا اعتبار لأحد عنده !
فهي إذاً .. تذمّـه في أكله وشُربِه ونومِه
كما تذمّـه بأنه لا يتفقّد أحوالها ، فالبثّ هو الشكوى أو هو شدّة الحزن .
تذمّـه بأنه لا يُراعي حال شكواها ومرضها فيسأل عنها ، أو يضع يده على مكان الألم تخفيفاً لمعاناتها ..
وهذا الجانب أو هذا الفعل تظهر فيه الناحية النفسية أكثر من الناحية الفعلية .
فربما كان تلمّس الرجل لحال أهله ، أو تلمّس الزوجة لحال زوجها ، مما يُشعر أحد الطرفين بأهميته ومكانته لدى الطرف الآخر !
ولربما لم يكن لذلك تقديم ولا تأخير في الظاهر !
فالذي يشكو من ألم في ظهره أو في رأسه لا يُخفف عنه مُجرّد وضع اليد على مكان الألم ليَعْلّم ما يبثّـه صاحبه من شكوى ، بقدر ما يُشعره ذلك بمكانته وقدرِه ..
وكم مِن لمسة حانية كانت أغلى من ألف كلمة ، وأكبر في الـنَّـفس من سائر الأدوية
فهي لمسة حنان وعطف وشفقة تؤذن بأن ما بالمريض من ألم وداء هو محلّ عناية الطرف الآخر
وقُل مثل ذلك في الطفل ..
فإنه عندما يمرض ينظر إلى الشفقة والعطف في عيون والديه
وربما أنّ واشتكى لينظر مكانته ، ويرقب منـزلته ، وليرى مدى الاهتمام به !
والأثر النفسي ، والناحية النفسية مُعتبرة في التعامل الأُسري ، سواء كان مع الزوجة أو مع الأولاد أو حتى مع الخدم .
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين ، فإنه ولي حـرّه وعلاجه . رواه البخاري ومسلم .
قال أبو هريرة رضي الله عنه : ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط ؛ إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه . رواه البخاري ومسلم .
وكل هذا من باب مراعاة النّفسيّات ..
فمن وَلي حرّ الطعام يُعطى منه ما يُشعره بالاعتراف بما قدّم
والزوجة إذا وَلِيَت الطّعام فلم يكن على ما يُرام يوما من الأيام فلا أقل من السّكوت
فـ نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا كره طعاماً تركه
والزوج العاقل الحصيف قادر على أن يوصل ما يُريد بتعبيرات وجهه
فقد وُصِف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشد حياء من العذراء في خدرها ، وبأنه إذا كرِه شيئا عُرِف في وجهه . رواه البخاري ومسلم .
ولا شك أن هذا الفعل له أثره في الـنّفس ، وإن لم يتكلّم صاحبه أو ينطق بما في نفسه .
بل انظر إلى مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم للجانب النفسي ، وتودّدِه إلى حبيبته وأحب الناس إليه :
" عائشة "
فإنه عليه الصلاة والسلام كان يضع فمه على موضع فمِ عائشة رضي الله عنها في الطّعام والشَّراب .
ولا شك أن هذا الفعل له أثره النفسي في التعبير عن الحب والرضا .
تقول عائشة رضي الله عنها : كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِـيّ فيشرب ، وأتعرّق العَرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِـيّ . رواه مسلم .
والعَرْق : العظم عليه بقية لحم .
وأبعد من ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من منـزله ، وكان خارجا للصلاة فقبّـل حِـبَّـه
" عائشة " ثم خرج .
تقول عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَـَّـل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ، ولم يتوضأ . قال عروة : قلت لها : من هي ألا أنت ؟! قال : فضحكت . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى تلك القُبلة عند خروجه للصلاة ، ولكن تلك القُبلة لها أثرها البالغ في نفس زوجه .
وكلمة الشُّـكر وعبارة الثناء لها ألف أثر في نفس من يسمعها .
ورب كلمة فعلت في النفوس فِعل السّحر ، ولكنه السحر الحلال !
وابتسامة الرضا ترسم السعادة الزوجية ولا تُكلّف صاحبها شيئا !
بل هو مأجور على ابتسامته ، مع ما يجني من ثمارها العاجلة والآجلة !
قال جرير رضي الله عنه : ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي . رواه البخاري ومسلم .
وإن باستطاعة كلٍّ من الزوجين كَسْب قلب صاحبه بابتسامة تُشعر الطرف الآخر بالرضا عنه .
وليس بالضرورة أن تكون الحياة الزوجية مثالية خالية من المشكلات أو المنغِّصات ، وإنما العِبرة بالأعمّ الأغلب .
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : لا يَـفْـرَك مؤمن مؤمنه إن كَرِه منها خلقا رضيَ منها آخر . رواه مسلم .
أي لا يُبغض المؤمن زوجته لأجل خُلُق قد يبدو منها ، فإن ظهر له من أخلاقها ما يذمّه ويمقته ، فلينظر في محاسنها .
وإن كرِه منها تقصيرها في جانب فلينظر إلى قيامها ووفائها بجوانب أخرى .
والمسلم مأمور بالعدل والإنصاف في كل شيء ، ومع كل أحد .
والزوجة مُطالبة بهذه النّظرة أيضا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إياكن وكفران المنعمين ، إياكن وكفران الـمُنْـعَمِين . قالت امرأة : يا رسول الله ، أعوذ بالله يا نبي الله من كفران نِعَم الله . قال : بلى ، إن إحداكن تطول أيْمتها ، ويطول تعنيسها ، ثم يُزوِّجها الله البعل ، ويُفيدها الولد ، وقرّة العين ، ثم تغضب الغضبة فتقسم بالله ما رأت منه ساعة خير قط ، فذلك من كفران نِعَم الله عز وجل ، وذلك من كفران المنعمين . رواه الإمام أحمد ، وأصله في الصحيحين .
هذه إشارة إلى الجانب النفسي في التعامل الأُسري ، وفي الحياة الزوجية خاصة .
الخطاب القرآني أصلح دليل للأسرة السعيدة
لماذا هذه الثنائية فى حياتنا الأسرية ، ولماذا يسود خطاب «أنا » و«هو» داخل الأسرة الواحدة التى ينبغى أن تقوم على قاعدة «نحن».
ومن المسئول عن هذه الازدواجية فى خطاب الأسرة ؟ وكيف نعيد العلاقة الزوجية إلى مسارها الطبيعى ومقصدها الشرعى ضمن خطاب متوازن للأسرة يتجاوز فكرة حقوق وواجبات كل طرف ليحل محلها التكامل والتسامح والتعاون على سلامة الأسرة وسعادتها .
تساؤلات تبحث عن إجابات لها فى هذا التحقيق.
ثنائية الخطاب
د. أحمد عبد الرحمن - أستاذ الأخلاق - يقول: حياتنا تدور فى فلك ثنائية الخطاب، فهناك خطاب إسلامى يستند على القيم الإسلامية فى تحديد علاقة الزوجين ببعضهما فى إطار القوامة.
وهناك خطاب علمانى يتسم بالتحيز ضد الأخلاق والضوابط الإسلامية التى وضعها الشارع لحياة الناس وسعادتهم، فهو خطاب يريد إخراج المرأة من بيتها لتخريب أسرتها تحت دعاوى تحرير المرأة، وهذه الدعاوى تتبناها المؤتمرات التى تنظمها الأمم المتحدة، كما تروج لها أجهزة الإعلام والدراما السينمائية التى تُجرِّم فى الغالب القيم الإسلامية.
وهذا يعنى أننا بحاجة إلى العودة إلى ربنا - بتحكيم القرآن والسنة وحسن فهم النصوص الخاصة بالقوامة، والتعدد وضوابط الطاعة، وحقوق وواجبات الزوج والزوجة، وإلى حرية الإعلام فى تبصير الجميع بهذه الأحكام؛ لأن الدعوة مؤممة، والداعية مغلول فى المسجد، فإذا كان جهل شبابنا بفقه العلاقات الزوجية وراء فشل كثير من الزيجات، فإن توفير المعلومات الصحيحة لهم حول هذا الموضوع ضمن ثقافة أسرية اجتماعية من منطلق إسلامى يتم إدراجها فى مقررات المرحلة الجامعية «الزواج - قيم الأسرة - اقتصاد الأسرة»، هو السبيل إلى حياة أسرية مستقرة وسعيدة.
أمية ثقافية
ويؤكد د. حمدى ياسين - أستاذ علم النفس الاجتماعى بكلية البنات جامعة عين شمس - أن مشكلة العلاقات الزوجية مبعثها الأمية الثقافية الزوجية لدى الطرفين، فكلاهما يسعى لمعرفة حقوقه فقط، ويطالب بها دون أن يبحث عن واجباته مما يؤدى إلى قصور الفهم وإساءة استخدام هذه الحقوق.
فلابد من تهيئة الأبناء للزواج بتقديم النماذج الصالحة للزوج والزوجة داخل الأسرة نفسها وقبل ذلك من خلال سيرة النبى (صلى الله عليه وسلم) وسير الصحابة والتابعين.
عقد دورات تدريبية لتعليم الزوجين مهارات التعامل مع الطرف الآخر.
وضع مقرر للتربية الأسرية منذ المرحلة الابتدائية متدرجة فى موضوعات حسب المرحلة العمرية.
توظيف الإعلام فى توضيح فقه العلاقات الزوجية والأسرية عمومًا.
تأسيس أقسام للرعاية الزوجية يكون من اختصاصاتها الكشف عن القواسم المشتركة بين المقبلين على الزواج، وإسداء النصائح الأمينة للزوجين.
وأقول للزوج:
- تذكر قبل أن تفتش عن نقص فى زوجتك أنك إنسان وبك أيضًا قصور.
- انظر إلى نصف الكوب الممتلئ فى علاقتك بزوجتك.
وللزوجة :
- تحلى بضبط النفس والصبر على طباع زوجك.
- ولا تختلفا أمام الأبناء وتعاونا على إسعادهم.
- واحرصا على كرم السلوك المتبادل بينكما، وليكن الإيثار والتسامح والبحث عن الواجبات قبل المطالبة بالحقوق شعاركما.
خطاب أعرج ناقص
لا أتصور حياة زوجية تقوم على عدم التوازن فى علاقة الزوجين، فهذا الاعتدال والتوازن هو السمة الغالبة للعلاقات الزوجية الطبيعية.
بهذه الكلمات يحدد د. عبد الصبور شاهين - الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - طبيعة العلاقات الزوجية، كما أرادها الشارع الحكيم.
أما عدم التوازن فهو شذوذ فى تلك العلاقة التى ينبغى أن تجرى مجرى التكامل بين الزوجين، أما الخطاب الذى يتوجه بالحقوق لطرف على حساب الطرف الآخر فهو خطاب أعرج ناقص لا يصح أن يكون معيارًا للحكم على العلاقات الزوجية.
ويرى د. عبد العظيم المطعنى - الأستاذ بجامعة الأزهر - أن الخطاب القرآنى الذى يحدد حقوق وواجبات الزوجين فيه الكفاية لإرضاء كل منهما، والمهم هو إطلاع كل من الزوجين على هذه النصوص والاحتكام إليها. {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} فكل حق للزوج يقابله حق للزوجة، وكل واجب عليه يقابله واجب عليها، ويقع جزء كبير من تعديل ميزان الخطاب الزوجى على عاتق الزوجة، فإذا كانت الزوجة صالحة مثقفة واعية، فإنها ستعرف كيف تدير الحوار والخلاف مع زوجها، وتخرج من أي معركة معه برأى سديد دون أن تغضبه.
وكذلك فالخطاب القرآنى للرجل يطالبه بحسن معاشرة الزوجة {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا}.
والرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو على فراش الموت يقول: «أوصيكم بالنساء خيرًا»، ويحبب إلى الرجل تدليل زوجته وإطعامها مؤكدًا أن له به أجرًا.
خلل
وتعترض د. زينب الأشوح - أستاذة الاقتصاد الإسلامى بجامعة الأزهر - على فكرة الخطاب المتحيز، وتفسر تفسخ العلاقات الزوجية بوجود خلل فى فهم حقوق كل من الطرفين، فكل منهما يتخيل أنه صاحب كل الحقوق دون الواجبات، أما حقوق الطرف الآخر فهى منّة منه وفضل.
وتقرر أن الإسلام دين العدل، ومن حكمة الله تعالى أن خلق الذكر والأنثى مختلفين فى التكوين الفطرى ليتحقق التوازن فى الكون بأداء كل منهما لدوره فى عمارة الأرض بعد إمداده بمقومات أداء هذا الدور.
ولكن بعض الرجال قد يتعسف فى تفسير حقوقه على الزوجة ويفهم الحديث «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» على غير معناه، فكيف يجيز له الرسول (صلى الله عليه وسلم) التسلط على زوجته وهو نفسه الذى جعل له صدقة فى اللقمة يضعها فى امرأته والنطفة يضعها فى الحلال.
أين القدوة ؟
القدوة فى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى كان فى خدمة أهله «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى»، فالمسألة لا علاقة لها بالدين، ولكن الرجل بطبعه قد يميل إلى العنف والتسلط على امرأته، وقد رأيت حالات لتسلط الرجل فى الغرب أيضًا، وللأسف فكثير من الناس - رجالاً ونساءً - يحملون الشرع عيوبهم، ويسيئون فهم وتطبيق الأحكام المتضمنة للحقوق والواجبات التى قررها الإسلام
منقووووووووول
وإلى الملتقى بإذن الله فى الجزء التالي
الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله
الزواج سنّة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } [الرعد: 38].
وهو سبيل المؤمنين، استجابة لأمر الله سبحانه: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [النور:32-33].
فهذا أمرٌ من الله عز شأنه للأولياء بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامي -جمع أيم: وهم من لا أزواج لهم من رجال ونساء-، وهو من باب أولى أمر لهم بإنكاح أنفسهم طلباً للعفة والصيانة من الفاحشة. واستجابة لأمر رسول الله فيما رواه ابن مسعود أن رسول الله قال: « يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء » متفق على صحته.
والزواج تلبية لما في النوعين: الرجل والمرأة من غريزة النكاح -الغريزة الجنسية- بطريق نظيف مثمر.
ولهذه المعاني وغيرها لا يختلف المسلمون في مشروعية الزواج، وأن الأصل فيه الوجوب لمن خاف على نفسه العنت والوقوع في الفاحشة، لا سيما مع رقة الدين، وكثرة لمغريات، إذ العبد ملزم بإعفاف نفسه، وصرفها عن الحرام، وطريق ذلك: الزواج.
ولذا استحبَّ العلماء للمتزوج أن ينوي بزواجه إصابة السنة، وصيانة دينه وعرضه، ولهذا نهى الله سبحانه عن العَضْلِ، وهو: منع المرأة من الزواج، قال الله تعالى: { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } [البقرة: 232].
ولهذا أيضاً عظَّم الله سبحانه شأن الزواج، وسَمَّى عقده: { مِّيثَاقاً غَلِيظاً } في قوله تعالى: { وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } [النساء: 21].
وانظر إلى نضارة هذه التسمية لعقد النكاح، كيف تأخذ بمجامع القلوب، وتحيطه بالحرمة والرعاية، فهل يبتعد المسلمون عن اللقب الكنسي (العقد المقدّس) الوافد إلى كثير من بلاد المسلمين في غمرة اتباع سَنَن الذين كفروا ؟!!
فالزواج صلة شرعية تُبْرم بعقد بين الرجل والمرأة بشروطه وأركانه المعتبرة شرعاً. ولأهميته قَدَّمه أكثر المحدِّثين والفقهاء على الجهاد، ولأن الجهاد لا يكون إلا بالرجال، ولا طريق له إلا بالزواج، وهو يمثل مقاماً أعلى في إقامة الحياة واستقامتها، لما ينطوي عليه من المصالح العظيمة، والحكم الكثيرة، والمقاصد الشريفة، منها:
1 ـ حفظ النسل وتوالد النوع الإنساني جيلاً بعد جيل، لتكوين المجتمع البشري، لإقامة الشريعة وإعلاء الدين، وعمارة الكون، وإصلاح الأرض، قال الله تعالى: { يأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً } الآية [النساء:1] ، وقال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } [الفرقان:54]. أي: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الآدمي من ماء مهين، ثم نشر منه ذرية كثيرة وجعلهم أنساباً وأصهاراً متفرقين ومجتمعين، والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فسبحان الله القادر البصير.
ولذا حثَّ النبي على تكثير الزواج، فعن أنس أن رسول الله قال: « تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة » رواه الإمام أحمد في مسنده.
وهذا يرشح الأصل المتقدم للفضيلة: (القرار في البيوت) لأن تكثير النسل غير مقصود لذاته، ولكن المقصود -مع تكثيره- صلاحه واستقامته وتربيته وتنشئته، ليكون صالحاً مصلحاً في أمته وقُرَّة عين لوالديه، وذِكراً طيباً لهما بعد وفاتهما، وهذا لا يأتي من الخرّاجة الولاّجة، المصروفة عن وظيفتها الحياتية في البيت، وعلى والده الكسب والإنفاق لرعايته، وهذا من أسباب الفروق بين الرجل والمرأة.
2 ـ حفظ العرض، وصيانة الفرج، وتحصيل الإحصان، والتحلي بفضيلة العفاف عن الفواحش والآثام. وهذا المقصد يقتضي تحريم الزنى ووسائله من التبرج والاختلاط والنظر، ويقتضي الغيرة على المحارم من الانتهاك، وتوفير سياجات لمنع النفوذ إليها، ومن أهمها: ضرب الحجاب على النساء، فانظر كيف انتظم هذان المقصدان العمل على توفير أصول الفضيلة -كما تقدم- .
3 ـ تحقيق مقاصد الزواج الأخرى: من وجود سكن تطمئن فيه الزوجة من الكدر والشقاء، والزوج من عناء الكد والكسب: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف } [البقرة:228] .
فانظر كيف تتم صلة ضعف النساء بقوة الرجال، فيتكامل الجنسان.
والزواج من أسباب الغنى ودفع الفقر والفاقة، قال الله تعالى: { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [النور:32].
والزواج يرفع كل واحد منهما من عيشة البطالة والفتنة إلى معاش الجد والعفة، ويتم قضاء الوطر واللذة والاستمتاع بطريقه المشروع: الزواج .
وبالزواج يستكمل كل من الزوجين خصائصه، وبخاصة استكمال الرجل رجولته لمواجهة الحياة وتحمل المسؤولية. وبالزواج تنشأ علاقة بين الزوجين مبنية على المودة والرحمة والعطف والتعاون، قال الله تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الروم:21].
وبالزواج تمتد الحياة موصولة بالأسر الأخرى من القرابات والأصهار، مما يكون له بالغ الأثر في التناصر والترابط وتبادل المنافع. إلى آخر ما هنالك من المصالح التي تكثر بكثرة الزواج، وتقل بقلته، وتفقد بفقده.
وبالوقوف على مقاصد الزواج، تعرف مضار الانصراف عنه؛ من انقراض النسل، وانطفاء مصابيح الحياة، وخراب الديار، وقبض العفة والعفاف، وسوء المنقلب.
ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: ضعف التربية الدينية في نفوس الناشئة، فإن تقويتها بالإيمان يكسبها العفة والتصون، فيجمع المرء جهده لإحصان نفسه { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } [الطلاق:2].
ومن أقوى العلل للإعراض عن الزواج: تفشي أوبئة السفور والتبرج والاختلاط؛ لأن العفيف يخاف من زوجة تستخف بالعفاف والصيانة، والفاجر يجد سبيلاً محرماً لقضاء وطره، متقلباً في بيوت الدعارة -نعوذ بالله من سوء المنقلب-.
فواجب لمكافحة الإعراض عن الزواج: مكافحة السفور والتبرج والاختلاط، وبهذا يُعلم انتظام الزواج لأصول الفضيلة المتقدمة.
المنهج النبوي في التعامل مع النساء
لقد أمر الله تعالى بأن يُعاشر النساء بالمعروف فقال جل ذكره: (وعاشروهن بالمعروف) والمعروف كلمة جامعة لكل فعل وقول وخلق نبيل، يقول الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في التفسير: أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه.
لقد كان عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة لأمته، والنموذج البشري الكامل، قال جلّ ذكره: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) والحديث عن هديه عليه الصلاة والسلام مع النساء حديث طويل متشعب، ولا غرو فقد أوضح لأمته: (أنهن شقائق الرجال) ولعلي أقصر حديثي عن هديه الشريف مع نسائه، أو بعبارة أخرى: كيف عاش عليه الصلاة والسلام زوجًا؟ وكيف تعامل مع نسائه؟ وكيف راعى نفسياتهن؟ وما هي وصاياه وإرشاداته للرجال بضرورة رعاية حقهن زوجات، وأمهات لأولادهم؟ وحسبي أن أسوق بعض الأحاديث دون شرح أو تعليق، فهي كافية في إيضاح المراد مكتفيا بالإشارة إلى بعض ما تدل عليه تلك الأحاديث الشريفة:
* فقد أوصى بهن خيرًا في نصوص كثيرة: منها حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم إني أحرج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) وحديث أبي ذر عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع فإن أقمتها كسرتها فدارها تعش بها). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خيارهم لنسائهم) وفي لفظ (وألطفهم بأهله).
وعن بهز قال: حدثني أبي عن جدي قال: قلت: يا رسول الله نساؤنا ما نأتي منها و ما ندع؟ قال: (حرثك أنى شئت، غير أن لا تقبح الوجه، ولا تضرب، وأطعمها إذا طعمت، واكسها إذا اكتسيت، ولا تهجرها إلا في بيتها، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض إلا بما حل عليها).
* وخوّف ورهّب من تزوج بأكثر من واحدة ثم لم يعدل بينهن: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل).
* وأرشد بفعاله ومقاله إلى أهمية مراعاة ما طبعن عليه من الغيرة: عن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين فأرسلت أخرى بقصعة فيها طعام، فضربت يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام ويقول: غارت أمكم كلوا، فأكلوا فأمر حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها"، وعن عائشة قالت: "افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول: سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فقلت بأبي وأمي إنك لفي شأن، وإني لفي آخر"، وقالت أيضاً: " التمست رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدخلت يدي في شعره، فقال: قد جاءك شيطانك! فقلت: أما لك شيطان؟ قال: بلى، ولكن الله أعانني عليه فأسلم".
* وكان وفيا لبعض نسائه غاية الوفاء حتى بعد وفاتهن: فعن عائشة قالت: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين ".
* كما كان عليه الصلاة والسلام يتيح لهن أن ينفذن شيئًا من غيرتهن بحيث لا يتجاوزن الحد المشروع، ويضفي على سلوكهن ذلك المرح والابتسامة: فعن أبي سلمة قال: قالت عائشة: ''زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها فعملت لها حريرة، أو قال: خزيرة، فقلت: كلي فأبت، فقلت لتأكلي أو لألطخن وجهك فأبت، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها تستقيد مني، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فإذا عمر يقول: يا عبد الله بن عمر! يا عبد الله بن عمر! فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''قوما فاغسلا وجوهكما فلا أحسب عمر إلا داخلا''.
* بل إنه عليه الصلاة والسلام بيّن لأمته أن اللهو واللعب مع الزوجة مما يثاب عليه الرجل، بل لا يعد من اللهو أصلاً: ففي حديث عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر كسلت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو، إلا أربعة خصال مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة).
* وكان يراعي فيهن حالهن والسن التي كان عليها بعضهن: فعن عائشة قالت: (كنت ألعب بالبنات، فربما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصواحباتي عندي، فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم فررن، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنت، وكما أنتن).
* وكان إذا بدر منهن شيء يسوؤه لم يكن يقابله إلا بالحكمة واللطف: فعن أنس بن مالك قال: كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك يومها، فأبطت في المسير، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، وتقول حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينيها ويسكتها، فأبت إلا بكاء، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركها، فقدمت فأتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أنت أرضيتيه عني، فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء، ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟, فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فرضي عن صفية وانطلق إلى زينب فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك, قالت زينب أتعمد إلى بعيري فتعطيه اليهودية, فهاجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشهر، فلم يقرب بيتها، وعطلت زينب نفسها، وعطلت بيتها، وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخر البيت، وأيست أن يأتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هي ذات يوم إذا بوجس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل البيت فوضع السرير موضعه، فقالت زينب: يا رسول الله جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها).
ولا يُولِج الكفّ لـيَعلَم البثّ
حدّثت الصّدّيقة بنت الصّدّيق رضي الله عنها أن إحدى عشرة امرأة جلسن فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئا ..
فقالت السادسة : زوجي إن أكل لفّ ، وإن شرب اشتفّ ، وإن اضطجع التفّ ، ولا يولج الكفّ ليعلم البث . والحديث بطوله رواه البخاري ومسلم ، وهو مشهور بحديث أم زرع .
والحديث مليء بالفوائد ، وقد ألفّ فيه بعض العلماء تأليفا خاصاً .
والذي يهمنا في هذا المقام هو حديث المرأة السادسة في ترتيب المتكلِّمات من تلك النسوة
قالت في معرض الذمّ لزوجها :
إن أكل لفّ
وإن شرب اشتفّ
وإن اضطجع التفّ
ولا يولج الكفّ
ليعلم البثّ
فهي تذمّـه بأنه إذا أكلّ الطعام لفّـه لفّـاً ، بحيث يأكل بِـنَـهم ، أو أنه لا يُبقي لها شيئا !
وهي تذمّـه بأنه إذا شرب اشتفّ فأصدر صوتا لشُربِه !
كما تذمّـه بأنه يلتف بملحفته إذا أوى إلى فراشه ، فكأنه لا يُعاشر أحداً ، ولا اعتبار لأحد عنده !
فهي إذاً .. تذمّـه في أكله وشُربِه ونومِه
كما تذمّـه بأنه لا يتفقّد أحوالها ، فالبثّ هو الشكوى أو هو شدّة الحزن .
تذمّـه بأنه لا يُراعي حال شكواها ومرضها فيسأل عنها ، أو يضع يده على مكان الألم تخفيفاً لمعاناتها ..
وهذا الجانب أو هذا الفعل تظهر فيه الناحية النفسية أكثر من الناحية الفعلية .
فربما كان تلمّس الرجل لحال أهله ، أو تلمّس الزوجة لحال زوجها ، مما يُشعر أحد الطرفين بأهميته ومكانته لدى الطرف الآخر !
ولربما لم يكن لذلك تقديم ولا تأخير في الظاهر !
فالذي يشكو من ألم في ظهره أو في رأسه لا يُخفف عنه مُجرّد وضع اليد على مكان الألم ليَعْلّم ما يبثّـه صاحبه من شكوى ، بقدر ما يُشعره ذلك بمكانته وقدرِه ..
وكم مِن لمسة حانية كانت أغلى من ألف كلمة ، وأكبر في الـنَّـفس من سائر الأدوية
فهي لمسة حنان وعطف وشفقة تؤذن بأن ما بالمريض من ألم وداء هو محلّ عناية الطرف الآخر
وقُل مثل ذلك في الطفل ..
فإنه عندما يمرض ينظر إلى الشفقة والعطف في عيون والديه
وربما أنّ واشتكى لينظر مكانته ، ويرقب منـزلته ، وليرى مدى الاهتمام به !
والأثر النفسي ، والناحية النفسية مُعتبرة في التعامل الأُسري ، سواء كان مع الزوجة أو مع الأولاد أو حتى مع الخدم .
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين أو لقمة أو لقمتين ، فإنه ولي حـرّه وعلاجه . رواه البخاري ومسلم .
قال أبو هريرة رضي الله عنه : ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط ؛ إن اشتهاه أكله ، وإن كرهه تركه . رواه البخاري ومسلم .
وكل هذا من باب مراعاة النّفسيّات ..
فمن وَلي حرّ الطعام يُعطى منه ما يُشعره بالاعتراف بما قدّم
والزوجة إذا وَلِيَت الطّعام فلم يكن على ما يُرام يوما من الأيام فلا أقل من السّكوت
فـ نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا كره طعاماً تركه
والزوج العاقل الحصيف قادر على أن يوصل ما يُريد بتعبيرات وجهه
فقد وُصِف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أشد حياء من العذراء في خدرها ، وبأنه إذا كرِه شيئا عُرِف في وجهه . رواه البخاري ومسلم .
ولا شك أن هذا الفعل له أثره في الـنّفس ، وإن لم يتكلّم صاحبه أو ينطق بما في نفسه .
بل انظر إلى مراعاة النبي صلى الله عليه وسلم للجانب النفسي ، وتودّدِه إلى حبيبته وأحب الناس إليه :
" عائشة "
فإنه عليه الصلاة والسلام كان يضع فمه على موضع فمِ عائشة رضي الله عنها في الطّعام والشَّراب .
ولا شك أن هذا الفعل له أثره النفسي في التعبير عن الحب والرضا .
تقول عائشة رضي الله عنها : كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِـيّ فيشرب ، وأتعرّق العَرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فِـيّ . رواه مسلم .
والعَرْق : العظم عليه بقية لحم .
وأبعد من ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من منـزله ، وكان خارجا للصلاة فقبّـل حِـبَّـه
" عائشة " ثم خرج .
تقول عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبَـَّـل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ، ولم يتوضأ . قال عروة : قلت لها : من هي ألا أنت ؟! قال : فضحكت . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه .
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بحاجة إلى تلك القُبلة عند خروجه للصلاة ، ولكن تلك القُبلة لها أثرها البالغ في نفس زوجه .
وكلمة الشُّـكر وعبارة الثناء لها ألف أثر في نفس من يسمعها .
ورب كلمة فعلت في النفوس فِعل السّحر ، ولكنه السحر الحلال !
وابتسامة الرضا ترسم السعادة الزوجية ولا تُكلّف صاحبها شيئا !
بل هو مأجور على ابتسامته ، مع ما يجني من ثمارها العاجلة والآجلة !
قال جرير رضي الله عنه : ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي . رواه البخاري ومسلم .
وإن باستطاعة كلٍّ من الزوجين كَسْب قلب صاحبه بابتسامة تُشعر الطرف الآخر بالرضا عنه .
وليس بالضرورة أن تكون الحياة الزوجية مثالية خالية من المشكلات أو المنغِّصات ، وإنما العِبرة بالأعمّ الأغلب .
ولذا قال عليه الصلاة والسلام : لا يَـفْـرَك مؤمن مؤمنه إن كَرِه منها خلقا رضيَ منها آخر . رواه مسلم .
أي لا يُبغض المؤمن زوجته لأجل خُلُق قد يبدو منها ، فإن ظهر له من أخلاقها ما يذمّه ويمقته ، فلينظر في محاسنها .
وإن كرِه منها تقصيرها في جانب فلينظر إلى قيامها ووفائها بجوانب أخرى .
والمسلم مأمور بالعدل والإنصاف في كل شيء ، ومع كل أحد .
والزوجة مُطالبة بهذه النّظرة أيضا ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : إياكن وكفران المنعمين ، إياكن وكفران الـمُنْـعَمِين . قالت امرأة : يا رسول الله ، أعوذ بالله يا نبي الله من كفران نِعَم الله . قال : بلى ، إن إحداكن تطول أيْمتها ، ويطول تعنيسها ، ثم يُزوِّجها الله البعل ، ويُفيدها الولد ، وقرّة العين ، ثم تغضب الغضبة فتقسم بالله ما رأت منه ساعة خير قط ، فذلك من كفران نِعَم الله عز وجل ، وذلك من كفران المنعمين . رواه الإمام أحمد ، وأصله في الصحيحين .
هذه إشارة إلى الجانب النفسي في التعامل الأُسري ، وفي الحياة الزوجية خاصة .
الخطاب القرآني أصلح دليل للأسرة السعيدة
لماذا هذه الثنائية فى حياتنا الأسرية ، ولماذا يسود خطاب «أنا » و«هو» داخل الأسرة الواحدة التى ينبغى أن تقوم على قاعدة «نحن».
ومن المسئول عن هذه الازدواجية فى خطاب الأسرة ؟ وكيف نعيد العلاقة الزوجية إلى مسارها الطبيعى ومقصدها الشرعى ضمن خطاب متوازن للأسرة يتجاوز فكرة حقوق وواجبات كل طرف ليحل محلها التكامل والتسامح والتعاون على سلامة الأسرة وسعادتها .
تساؤلات تبحث عن إجابات لها فى هذا التحقيق.
ثنائية الخطاب
د. أحمد عبد الرحمن - أستاذ الأخلاق - يقول: حياتنا تدور فى فلك ثنائية الخطاب، فهناك خطاب إسلامى يستند على القيم الإسلامية فى تحديد علاقة الزوجين ببعضهما فى إطار القوامة.
وهناك خطاب علمانى يتسم بالتحيز ضد الأخلاق والضوابط الإسلامية التى وضعها الشارع لحياة الناس وسعادتهم، فهو خطاب يريد إخراج المرأة من بيتها لتخريب أسرتها تحت دعاوى تحرير المرأة، وهذه الدعاوى تتبناها المؤتمرات التى تنظمها الأمم المتحدة، كما تروج لها أجهزة الإعلام والدراما السينمائية التى تُجرِّم فى الغالب القيم الإسلامية.
وهذا يعنى أننا بحاجة إلى العودة إلى ربنا - بتحكيم القرآن والسنة وحسن فهم النصوص الخاصة بالقوامة، والتعدد وضوابط الطاعة، وحقوق وواجبات الزوج والزوجة، وإلى حرية الإعلام فى تبصير الجميع بهذه الأحكام؛ لأن الدعوة مؤممة، والداعية مغلول فى المسجد، فإذا كان جهل شبابنا بفقه العلاقات الزوجية وراء فشل كثير من الزيجات، فإن توفير المعلومات الصحيحة لهم حول هذا الموضوع ضمن ثقافة أسرية اجتماعية من منطلق إسلامى يتم إدراجها فى مقررات المرحلة الجامعية «الزواج - قيم الأسرة - اقتصاد الأسرة»، هو السبيل إلى حياة أسرية مستقرة وسعيدة.
أمية ثقافية
ويؤكد د. حمدى ياسين - أستاذ علم النفس الاجتماعى بكلية البنات جامعة عين شمس - أن مشكلة العلاقات الزوجية مبعثها الأمية الثقافية الزوجية لدى الطرفين، فكلاهما يسعى لمعرفة حقوقه فقط، ويطالب بها دون أن يبحث عن واجباته مما يؤدى إلى قصور الفهم وإساءة استخدام هذه الحقوق.
فلابد من تهيئة الأبناء للزواج بتقديم النماذج الصالحة للزوج والزوجة داخل الأسرة نفسها وقبل ذلك من خلال سيرة النبى (صلى الله عليه وسلم) وسير الصحابة والتابعين.
عقد دورات تدريبية لتعليم الزوجين مهارات التعامل مع الطرف الآخر.
وضع مقرر للتربية الأسرية منذ المرحلة الابتدائية متدرجة فى موضوعات حسب المرحلة العمرية.
توظيف الإعلام فى توضيح فقه العلاقات الزوجية والأسرية عمومًا.
تأسيس أقسام للرعاية الزوجية يكون من اختصاصاتها الكشف عن القواسم المشتركة بين المقبلين على الزواج، وإسداء النصائح الأمينة للزوجين.
وأقول للزوج:
- تذكر قبل أن تفتش عن نقص فى زوجتك أنك إنسان وبك أيضًا قصور.
- انظر إلى نصف الكوب الممتلئ فى علاقتك بزوجتك.
وللزوجة :
- تحلى بضبط النفس والصبر على طباع زوجك.
- ولا تختلفا أمام الأبناء وتعاونا على إسعادهم.
- واحرصا على كرم السلوك المتبادل بينكما، وليكن الإيثار والتسامح والبحث عن الواجبات قبل المطالبة بالحقوق شعاركما.
خطاب أعرج ناقص
لا أتصور حياة زوجية تقوم على عدم التوازن فى علاقة الزوجين، فهذا الاعتدال والتوازن هو السمة الغالبة للعلاقات الزوجية الطبيعية.
بهذه الكلمات يحدد د. عبد الصبور شاهين - الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة - طبيعة العلاقات الزوجية، كما أرادها الشارع الحكيم.
أما عدم التوازن فهو شذوذ فى تلك العلاقة التى ينبغى أن تجرى مجرى التكامل بين الزوجين، أما الخطاب الذى يتوجه بالحقوق لطرف على حساب الطرف الآخر فهو خطاب أعرج ناقص لا يصح أن يكون معيارًا للحكم على العلاقات الزوجية.
ويرى د. عبد العظيم المطعنى - الأستاذ بجامعة الأزهر - أن الخطاب القرآنى الذى يحدد حقوق وواجبات الزوجين فيه الكفاية لإرضاء كل منهما، والمهم هو إطلاع كل من الزوجين على هذه النصوص والاحتكام إليها. {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} فكل حق للزوج يقابله حق للزوجة، وكل واجب عليه يقابله واجب عليها، ويقع جزء كبير من تعديل ميزان الخطاب الزوجى على عاتق الزوجة، فإذا كانت الزوجة صالحة مثقفة واعية، فإنها ستعرف كيف تدير الحوار والخلاف مع زوجها، وتخرج من أي معركة معه برأى سديد دون أن تغضبه.
وكذلك فالخطاب القرآنى للرجل يطالبه بحسن معاشرة الزوجة {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا}.
والرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو على فراش الموت يقول: «أوصيكم بالنساء خيرًا»، ويحبب إلى الرجل تدليل زوجته وإطعامها مؤكدًا أن له به أجرًا.
خلل
وتعترض د. زينب الأشوح - أستاذة الاقتصاد الإسلامى بجامعة الأزهر - على فكرة الخطاب المتحيز، وتفسر تفسخ العلاقات الزوجية بوجود خلل فى فهم حقوق كل من الطرفين، فكل منهما يتخيل أنه صاحب كل الحقوق دون الواجبات، أما حقوق الطرف الآخر فهى منّة منه وفضل.
وتقرر أن الإسلام دين العدل، ومن حكمة الله تعالى أن خلق الذكر والأنثى مختلفين فى التكوين الفطرى ليتحقق التوازن فى الكون بأداء كل منهما لدوره فى عمارة الأرض بعد إمداده بمقومات أداء هذا الدور.
ولكن بعض الرجال قد يتعسف فى تفسير حقوقه على الزوجة ويفهم الحديث «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها» على غير معناه، فكيف يجيز له الرسول (صلى الله عليه وسلم) التسلط على زوجته وهو نفسه الذى جعل له صدقة فى اللقمة يضعها فى امرأته والنطفة يضعها فى الحلال.
أين القدوة ؟
القدوة فى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذى كان فى خدمة أهله «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى»، فالمسألة لا علاقة لها بالدين، ولكن الرجل بطبعه قد يميل إلى العنف والتسلط على امرأته، وقد رأيت حالات لتسلط الرجل فى الغرب أيضًا، وللأسف فكثير من الناس - رجالاً ونساءً - يحملون الشرع عيوبهم، ويسيئون فهم وتطبيق الأحكام المتضمنة للحقوق والواجبات التى قررها الإسلام
منقووووووووول
وإلى الملتقى بإذن الله فى الجزء التالي